مجلس الشورى

English Version  | اتصل بنا الصفحة الرئيسية

 


بيان الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين

وزير الإعـــلام


الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين (وزير التربية والتعليم):

بسم الله الرحمن الرحيم

أستاذى الجليل الأستاذ الدكتور مصطفى كمال حلمى، رئيس مجلس الشورى:

أبدأ بالشكر والتقدير لمجلسكم الموقر، مجلس الحكماء على هذا التقرير الوافى الذى طرح رؤية جديدة فى سبيل تحقيق هدف كبير هو "تحديث مصر" ذلك الهدف الذى يسعى إليه باقتدار باعث نهضة مصر الحديثة سيادة الرئيس محمد حسنى مبارك وأشكر سيادة رئيس المجلس على دعوته للمشاركة بجهدى المتواضع فى هذا الحوار الثرى حول هذه القضية الأساسية، وأشكر الأستاذ الدكتور فاروق إسماعيل رئيس لجنة التعليم والبحث العلمى والشباب فى مجلس الشورى على هذا الجهد الطيب فيما أورده فى مجال التعليم، وقبل أن أبدأ فى شرح وجهة نظر وزارة التربية والتعليم فى "تحديث مصر"، أحب أن أعلق على بعض الأجزاء التى وردت بالتقرير، وبعض التعليقات التى جاءت على لسان بعض الأعضاء الموقرين .
فبالنسبة لما جاء فى التقرير حول أن هناك ثلاثة ملايين طفل فى المرحلة من 8-14 سنة خارج الدراسة ويعتبرون من الأميين الصغار فالإحصاءات الرسمية الموجودة فى الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء تقول إنه لا يوجد إحصاء فى مصر عن الأميين قبل عشر سنوات، وأن الإحصاء الرسمى يبدأ منذ سن العاشرة وآخر إحصاء رسمى فى سنة 1996 حدد الأميين من سـن العاشرة إلى الخامسة عشرة بـ 1.256.000 طفل فى هذه السن، وفى تقدير سنة 2001 ارتفع هذا الرقم إلى 1.377.000 طفل وهو يتمشى مع الزيادة السكانية من 1996 حتى 2001، وهذه الأرقام تتفق مع ما وصلنا إليه من إحصاءات فى وزارة التربية والتعليم حول نسب التسرب من التعليم الابتدائى، وحسب ما وصلنا إليه من نسب الإلزام فى التعليم الابتدائى، فلقد وصلنا فى نسب الإلزام للتعليم الأساسى الابتدائى-مع الأخذ فى الاعتبار طلبة الأزهر - إلى 98.85% من مجموع الأطفال فى هذه السن، وانخفضت نسبة التسرب فى المرحلة الابتدائية إلى 0.87% وانخفضت نسبة التسرب فى المرحلة الإعدادية إلى 3.13% .
النقطة الثانية هى ما جاء على لسان بعض الأعضاء بالمطالبة بعودة الضرب فى المدارس، ولقد دهشت كل الدهشة أن تصدر هذه الدعوة من مجلس الحكماء مجلسكم الموقر، فتلك الدعوة قد انتهت من العالم المتقدم تماماً، ولم يعد أحد فى أى دولة متقدمة تؤمن بالديمقراطية، وتؤمن بالحرية وتؤمن بالمبادئ التربوية السليمة، يجرؤ على أن يقدم هذه الدعوة، ولقد حدثت فى بلاد كثيرة ظاهرة الضرب فى مراحل تاريخية ولَّت وأدت فى دراسات موثقة إلى زيادة العنف المضاد من الطلبة وإلى تدهور أخلاق الطلبة وإلى إعطاء مثل صارخ سيىء وللأجيال القادمة على أن طريقة حل الخلافات بين الناس هى استعمال القوة بدليل أن المعلم حينما اختلف مع ابنه أو تلميذه فى سلوكه أو فى قوله رأيه لم يلجأ إلى الإقناع وإنما لجاء إلى فرض رأيه بالقوة وبالضرب، ونحن نريد أن نربى جيلاً شجاعاً يعتز بكرامته ويعتز برأيه وقادر على التعبير عما فى نفسه، ولا نريد جيلاً جباناً خانعاً ذليلاً لا يستطيع أن يعبر عن رأيه .

العبد يقرع بالعصى والحر تكفيه الإشارة

أما ما جاء على لسان بعض الأعضاء عن الأمية فى مراحل التعليم الأساسى الابتدائى والإعدادى وما طالب به بعض الأعضاء من إلغاء هيئة محو الأمية فلا أستطيع أن أقول غير ما قاله الله سبحانه وتعالى :
( ولاَ تلَْبِسُوْا الْحَقَّ بالْبَاطِلِ وتَكْتُمُوا الْحَقَّ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَأَقِيْمُوا الصَّلاَةَ وءَاتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ اَلرَّاكِعِين، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبرِّ وَتنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )
وأقول أيضاً ما قاله الله سبحانه وتعالى :
( فَأَوفُوا اْلكَيْلَ والميِزَانَ ولاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ولاَ تُفْسِدُوا فِى اْلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيُرُُ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين )
لقد كفانى أستاذى الجليل الأستاذ الدكتور مصطفى كمال حلمى مؤنة الرد على هذا الكلام لأن ما حدث من تقدم فى التعليم لا يمكن أن يتفق مع ما جاء على لسان بعض الأعضاء . إذا تركنا هذه التعقيبات وركزنا على الرؤية المستقبلية الرائعة التى يحاول مجلسكم الموقر أن يصل بها إلى مستقبل أفضل فإننى أستلهم من بيان السيد الرئيس فى افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة لمجلسى الشعب والشورى ما قاله "إن التعليم هو محور أساسى للأمن القومى المصرى"، وما أكد عليه السيد الرئيس من أن التعليم هو المدخل الوحيد للخريطة العالمية الجديدة وبالتالى فإن التعليم يحتل مكانة مرموقة فى أية سياسة مستقبلية لتحديث مصر، ونحن أمامنا تحديات كثيرة، فأمامنا تحد حقيقى هو ضرورة تحقيق نمو اقتصادى يعادل ثلاثة أمثال الزيادة السكانية على الأقل، ذلك هدف كبير لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعليم، أمامنا التغلب على مشكلة البطالة، أمامنا مواجهة العولمة وآثارها وتحدياتها، أمامنا حقائق الموجة الثالثة التى دخلنا إليها وأصبحنا طرفاً فيها ، ولقد كان هناك منذ قليل مناقشة حول الإنتاج الكثيف المعرفة والإنتاج الكثيف العمالة، ومن الحقائق الثابتة أنه فى إطار الموجة الثالثة أصبح العلم وأصبحت المعرفة هى القوى الرئيسية فى الإنتاج وحلت محل القوى أو العناصر التقليدية من رأسمال نقدى وقوى عاملة يدوية ومواد خام وأرض أو إمكانيات مادية وأصبح العلم يدخل بديلاً، ويقلل من الاعتماد على كل العناصر الأساسية مجتمعة أصبحنا الآن نتكلم عن إنتاج كثيف المعرفة، وأصبحت المعرفة بديلة عن المواد الخام، اليوم ينتج القطن خلايا القطن تزرَّع فى معامل دون زراعة ودون مزارع، حويصلات البرتقال والموالح تنتج فى معامل ولا تحتاج إلى زراعة أو إلى حصاد، مادة الثوماتين التى تبلغ حلاوتها مائة ألف مرة مقدار السكر تخلَّق فى المعامل عن طريق تكنولوجيا جديدة اسمها (Gene spicing technic) ، وحجم إنتاج هذه المادة يمكن أن يصل إلى بلايين الدولارات ، الفانيليا تصنَّع معملياً فى معامل بكتيرية، أصبحنا الآن ننتج بكتيريا وطحالب يمكن أن تتعامل مع المخلفات الصحية ومع مخلفات المصانع ومع المخلفات النووية، ويمكن أن تطهر كل هذه الأشياء ، أصبحنا نزرع الخلايا المختلفة والاتجاه الحديث اليوم فى نقل الأعضاء هو استعمال أعضاء مخلقَّة معملياً، لم نعد ننقل الأعضاء من إنسان إلى آخر، وإنما أصبحنا نزرع من أنسجة الإنسان نفسه على هياكل بلاستيكية، باستعمال التصميم المعتمد على الكمبيوتر والذكاء الصناعى وتخليق الخلايا معملياً، نستعمل أعضاء مماثلة تماماً للعضو الأصلى فى جسم الإنسان وتنتقل إليه دونما قابلية لرفض هذا العضو من قبل الإنسان ، تلك ثورة كبيرة جداً لابد أن نضعها فى الاعتبار ونحن نتجه إلى تحديث مصر .
المجالات الحاكمة فى العالم الآن هى مجالات كثيفة المعرفة، فى الفضاء والطيران، المواد الجديدة، الإلكترونيات الدقيقة، الاتصالات الفائقة الكمبيوتر والوسائط المتعددة، التكنولوجيا الحيوية، كل هذه مجالات كثيفة المعرفة، والمجالات الكثيفة المعرفة هى المجالات التى تحقق قيمة مضافة كبيرة، والقيمة المضافة لمستلزمات صناعة الفضاء تساوى 20000 مرة القيمة المضافة لطائرات القتال السريع وهى 2500 مرة، القيمة المضافة للسوبر كمبيوتر 1700 مرة، القيمة المضافة للفيديو كاميرا 280 مرة القيمة المضافة للتليفزيون الملون 16 مرة، القيمة المضافة لسيارات الركوب 10 مرات، الفرق الهائل فى القيمة المضافة لهذه المنتجات هى فى مقدار المعرفة الموجودة فى كل عنصر أو كل منتج على وجه التحديد ، ولا نستطيع أن نحقق ميزة تنافسية لمصر إلا بدخول عصر هذه المجالات الحاكمة وتحقيق صناعة كثيفة المعرفة والدول التى استطاعت أن تحقق تقدماً اقتصادياً هائلاً دخلت من هذا الباب، وإلى وقت قريب حتى منتصف القرن الماضى لم يحدث أن تقدمت دولة من عداد الدول النامية إلى الدول المتقدمة إلا بقرن كامل من التنمية المتصلة المطردة، وقرن كامل من الضبط الصارم للزيادة السكانية .
أما الآن وفى إطار الموجة الثالثة فإن هذه المدد قد تناقصت إلى حد بعيد، وأصبح من الممكن عن طريق الصناعات الكثيفة المعرفة أن نحقق قيمة مضافة كبيرة، وأن نختصر سنوات التقدم إلى أقل قدر ممكن ، وبالتالى فليس هناك من مجال إلا أن نحقق هذا بدخول عصر الصناعات الكثيفة المعرفة وفى البلاد التى حققت نهضة كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية صناعة الخدمات والصناعات الكثيفة العمالة لم تنشأ إلا من الفائض الذى حققته الصناعات الكثيفة المعرفة، الصناعات الكثيفة المعرفة تحقق فائضاً كبيراً يمكن توجيهه لدعم الصناعات الكثيفة العمالة والخدمات الكثيفة العمالة وبالتالى فإن نسبة البطالة أقل بكثير من الدول الأخرى .
لابد لنا أن نعتنى بالبحث العلمى، وزميلى الدكتور مفيد شهاب تكلم عن هذا الموضوع، لابد أن نعتنى بالبيئة ونحافظ عليها، لابد أن نعتنى بالسياحة وأن نستثمر إمكانات مصر الهائلة فى مجال السياحة، ومن المعلوم أن حجم الدخل القومى العالمى الذى تحقق من السياحة هو 10.2% من حجم الدخل القومى العالمى، ونحن فى مصر يجب أن نحصل على نصيب عادل من حجم الدخل القومى الذى يقدر بتريليونات الدولارات .

إذا نظرنا إلى كل هذه المسائل لوجدنا أنها تبدأ بالتعليم وتنتهى بالتعليم ومن هنا فإن ما قاله الرئيس "إن التعليم هو المدخل الوحيد للدخول إلى خريطة العالم الجديدة وأنها هى المحور الأساسى للأمن القومى" هو قول سديد ورؤية مستقبلية جديرة بالاحترام .

نحن نريد أن نحدث نقلة نوعية فى التعليم، ويجب أن نسعى لأن نسترجع المعرفة الكلية بدلاً من الاختزال، لقد تعرضنا إلى فترة طويلة قسمنا فيها المعرفة إلى علوم والعلوم إلى فروع، وفصلنا بين العلم والمتعلمين وقسمنا الدراسة إلى مراحل والمراحل إلى سنوات، والسنوات إلى فصول والفصول إلى صفوف ، ثم فصلنا بين المدرسة والمجتمع وبين التعليم والإنتاج ، آن الأوان أن يحدث العكس. لابد من الترابط والتكامل بديلاً عن التفتت والانعزال، لابد من تقويم مرتبط بالأداء وليس مرتبطاً بالساعة، لابد من تقويم مستمر، لابد من تقويم مترابط، ولابد من تقويم متكامل متعدد الجوانب، ولابد من تقويم للمتعلمين وللمعلمين وللمؤسسات التعليمية فى نفس الوقت .
نحن نريد كما قال السيد الرئيس محمد حسنى مبارك مدرسة جديدة تضرب بجذورها فى الماضى، تستلهم السير العطرة، وتحيى النماذج الفريدة والنبيلة، تدعم مسيرة الوطنية والفداء والتضحية والعطاء، تظهر النماذج الرائعة، وتظهر الأفعال المجيدة، مدرسة تمتد أنشطتها إلى المجتمع وإلى البيئة المحيطة بها، إلى مراكز الإنتاج، إلى مشاكل الناس ومشاكل الجماهير وإلى آمال المواطنين، وتمتد قرون استشعارها إلى آفاق التقدم وإلى المستقبل ومتطلباته، إلى المستقبل واحتمالاته وإلى التقدم وإمكاناته، مدرسة جميلة ونظيفة ومتطورة .
ورؤية وزارة التعليم فى هذا الموضوع، أننا يجب أن ندخل هذه المنافسة العالمية بقوتنا كاملة إذا أردنا أن نحدث مصر، فليس هناك بديل أمامنا إلا أن نشحذ كل همة لدينا، وأن نعبئ كل إمكانيات هذا البلد بالكامل نحن لا نملك ترف ترك جزء من قوتنا أو إمكاناتنا دون أن نستثمرها، لابد من تعلم مدى الحياة، ولابد أن نزيد من سنوات التعلم لكل مواطن لأن هذا مقياس لقدرة أى بلد من البلاد، لابد من زيادة سنوات التعليم الأساسى، ولابد من زيادة نسب التعليم العالى، لابد من كفالة حق كل مواطن فى أن يتعلم طالما كانت له رغبة فى التعلم، وطالما كانت له قدرة على التعلم، لابد من تدعيم القدرات العملية لأبنائنا، القدرات التى تمكنهم من المواطنة وتمكنهم من الاشتراك فى الإنتاج وسوق العمل، القدرات الحياتية، القدرات الاتصالية الخبرات المجتمعية، التفاوض، اللغات الأجنبية، الكمبيوتر، التكنولوجيا المتقدمة ... لابد من تحقيق الانسيابية بين كل أنواع التعليم بحيث لا نشعر مواطنا أنه منفى إلى نوع متدن من التعليم وأن هذا قدره الذى لا يستطيع الفكاك منه بل علينا أن نوفر مرونة كاملة وانسيابية كاملة بين كل أنواع التعليم، وبين التعليم والتعليم العالى وبين التعليم وسوق العمل ذهابا وعودة لابد من الاستثمار الكامل لقدرات التكنولوجيا المتقدمة والتعليم عن بُعد، لابد من كفالة حق المجتمع فى أن ينعم بديمقراطية كاملة داخل المؤسسة التعليمية، وديمقراطية المؤسسة التعليمية ضرورة بقاء وضرورة تقدم، فلا يمكن أن يتم إبداع أو ابتكار فى ظل قهر أو استبداد، أو فى ظل شعور بالخوف أو بالرهبة، لابد من كفالة حق الاختيار لأبنائنا فى كافة مراحل التعليم، لابد من توفير مرونة كاملة فى المسيرة فى شجرة التعليم والأخذ بالأساليب الحديثة بالساعات المعتمدة، وفى المرونة الكاملة فى المناهج، وفى ساعات التدريس، وفى أماكن التدريس .
لابد من تحقيق المبدأ الذى حدده السيد الرئيس فى الوثيقة الثانية لعقد الطفل المصرى، تحقيق التعليم للتميز والتميز للجميع، لابد من الاستفادة القصوى من السنوات الست الذهبية فى حياة الإنسان، الطفولة المبكرة وسأعود لهذه النقطة بعد قليل، لابد من العناية الفائقة بالموهوبين، ولابد من سد الفجوة بين التعليم والمجتمع والمدرسة وسوق العمل، وبين التعليم النظرى والتطبيق العملى والتكنولوجى، ولابد من المشاركة المجتمعية القومية فى تطوير التعليم لأن تطوير التعليم لا يمكن أن يتم بقرار إدارى، ولابد أن يتم فى إطار قومى وبمشاركة حقيقية من كل قوى المجتمع .
نحن أمامنا معوقات والمعوقات تؤدى إلى عدم استثمار القوة الحقيقية لهذا البلد، القوة الحقيقية فى هذا البلد يمكن أن تتم بتعليم كل فرد فيه بلا استثناء، وزيادة فرص التعليم وسنواته إلى أقصى حد ممكن لكل المواطنين لابد من تعليم أصحاب الظروف الخاصة واستثمار كل الجهد والإمكانيات المتاحة لهم، وأنا من المؤمنين أن بداخل كل إنسان مهما كانت ظروفه كنـز ينتظر الاكتشاف، وحتى أصحاب الظروف الخاصة لديهم مواهب وعبقريات من الممكن أن تظهر لو وجدوا الرعاية المناسبة ولو وجدوا من يحنو عليهم ويستثمر هذه المواهب لديهم، ولابد من كفالة حق المرأة فى التعليم إلى أقصى حد ،نحن لا نملك ترفً أن نترك نصف المجتمع دون استثمار كامل لقدرات المرأة المصرية، ولابد من استثمار مكتشفات العلم الحديث، العقد الماضى كان بحق عقد المخ البشرى ولقد اكتشف العلماء أن هناك لدى كل إنسان على الأقل 11 أو12 نوعاً من أنواع الذكاء (الذكاء الموسوعى، الذكاء اللغوى، الذكاء الحسابى، الذكاء العاطفى، الذكاء الرياضى ، الذكاء الاجتماعى، الذكاء الموسيقى، الذكاء العملى، الذكاء التوافقى الحركى، الذكاء البصيرى، ... كل هذه الأنواع موجودة لدى كل إنسان عند مولده لكن مالا يستثمر منها ومالا ينمو يضمحل ويزول، المخ البشرى يتبع قانوناً قاسياً وصارماً use it or lose it (مالا يستعمل يفقد) .
وبالتالى فنحن أمام ضرورة ملحة هى أن نستثمر إمكانات كل طفل مصرى فى السنوات الذهبية الست الأولى، لقد ثبت أن هناك نوافذ للتعلم تتفتح لدى كل إنسان فى السنة الأولى من العمر وينغلق البعض منها تماماً عند سن السادسة أو السابعة والباقى عند سن العاشرة أو الحادية عشرة وعلى سبيل المثال فإن تعلم اللغات ثبت أنه يجب أن يتم فى السنوات الست الأولى من العمر وليس صحيحاً أن تعلم لغة أخرى يخل بتعلم اللغة القومية بل إن الطفل يستطيع بسهولة كاملة أن يتعلم عدة لغات فى نفس الوقت وأن تعليم لغات إضافية يدعم تعليم اللغة الأصلية، تعليم الكمبيوتر يجب أن يتم قبل سن العاشرة، وتعليم الموسيقى يجب أن يتم قبل سن العاشرة، وإذا كنا نريد أن نستثمر كل إمكانات هذا الوطن فيجب أن نستثمر إلى أقصى حد ممكن كل إمكانات الطفل المصرى فى السنوات الست الأولى من عمره لأن هذا هو السبيل إلى أن ندعم قدرة مصر التنافسية فى المنافسة العالمية الضارية .
لابد من القضاء على الأمية لأننا لا يمكن أن ندخل المنافسة العالمية ولدينا شريحة من هذا الشعب لا تستطيع أن تشارك فى السباق ولا تستطيع أن تقدم إمكاناتها الحقيقة التى حرمت منها بسبب الأمية، لابد أن نقضى على الإيدز الجديد الذى يجتاح المؤسسة التعليمية ويهدد مصر، إيدز الدروس الخصوصية والذى يثقل كاهل الأسرة المصرية والذى يهدد السلام الاجتماعى والذى يهدد بحرمان الغالبية من غير القادرين من فرصتهم الوحيدة المتاحة فى التعليم الحكومى داخل مدارس الحكومة، ولسوف يندم من يحتكر حق التعليم لنفسه بواسطة الدروس الخصوصية فمن يحرمون من حق التعليم لن يتركوا من احتكر حق التعليم لنفسه فى سلام وسيكون هناك تهديد شامل ودائم لمن احتكر لنفسه حق التعليم، والبديل هو التعليم للجميع، والتعليم الجيد للجميع، والتعليم المتميز للجميع، كما جاء فى وثيقة العقد الثانى للطفل المصرى .
ونحن فى وزارة التربية والتعليم نقوم بتحقيق جزء مما أوردته فى السياسة العامة، ولكى أضع أمام مجلسكم ولكى أوضح لمجلسكم الموقر صورة ما يحدث فإننا على سبيل المثال، ونحن نحقق أو نحاول تحقيق التعليم للتميز والتميز للجميع، ننشئ المدارس لكى نطبق نظام اليوم الكامل ولكى نقضى على الفترات الدراسية التى أساءت إلى مستوى التعليم .
ما تم إنشاؤه فى إطار مشروع مبارك القومى لتطوير التعليم فى التسع السنوات السابقة 11598 مدرسة، ولكى أعطى حضراتكم فكرة عن حجم هذا الإنجاز أقول هذا الرقم يساوى حجم الهرم الأكبر مضروباً فى 35 مرة ويساوى حجم الأعمال الخرسانية فى السد العالى مضروباً فى 11، ويعادل تقريباً ضعف ما أنشئ من مدارس فى الفترة من عام 1882 حتى عام 1991، إذ بلغ ما أنشئ فى مصر من مدارس فى خلال قرن وتسع سنوات من الزمان نحو 6092 مدرسة - أدخلنا تكنولوجيا التعليم فى كل مدرسة على أرض مصر، عدد أجهزة الكمبيوتر والتكنولوجيا فى المدارس 128ألف جهاز، وعدد المعدات فى المدارس الفنية 52ألف معدة، بالإضافة إلى 32ألف معدة أخرى جديدة فى إطار مشروع البنك الأفريقى لتطوير التعليم الصناعى، وعدد الذين دربوا من المعلمين فى الخمس السنوات السابقة مليون و168 ألف معلم حتى الآن، وهذا العدد أكثر من المعلمين عندنا ولكن لأن المعلمين تدربوا أكثر من مرة، كل معلم تدرب أكثر من مرة وعدد كبير من المديرين وأصحاب الوظائف الإشرافية تدربوا على إدارة الأعمال (القدرات المالية، القدرات الإدارية، تكنولوجيا التعليم، الكمبيوتر واللغات الأجنبية ... إلخ) 102826 مديراً وشاغل لوظيفة إشرافية، عدد البعثات التى أرسلتها وزارة التعليم (8314 معلماً) إلى دول العالم المتقدمة، كل هذا فى إطار تحديث التعليم، والارتفاع بمستوى التعليم .
مشروع مبارك/كول لتطوير التعليم الفنى اليوم عندنا هذا المشروع وهو مطبق فى 22 مدينة، يدرس الطلبة 18 تخصصاً جديداً، عدد المصانع المشتركة 800 مصنع، عدد شركات المقاولات 280 شركة، ولقد حاز هذا المشروع على ثقة رجال الأعمال وعلى ثقة الحكومة الألمانية، الشريك الآخر لنا فى هذا المجال، فالحكومة الألمانية خصصت أكثر من 12 مليون مارك ألمانى لتدعيم هذا المشروع فى السنوات القادمة حتى 2004، ورجال الأعمال الآن يمولون مشروعات جديدة من أموالهم الخاصة، وذلك دليل قاطع على إيمان رجال الأعمال بقيمة هذا المشروع، والدليل الآخر هو أن نسبة التشغيل من خريجى مبارك/كول تكاد تصل إلى 100% مقارنة بنسبة بطالة عالية جداً فى مخرجات التعليم الفنى الأخرى .

مشروع تعليم البنات الذى تشرف عليه وتتبناه السيدة سوزان مبارك. أنشأنا 2612 مدرسة فصل واحد يتعلم فيها 55000 طالبة، بالإضافة إلى 43 مدرسة مجتمع بالاشتراك مع اليونيسيف تتعلم فيها 2091 طالبة، لقد زادت نسب تعليم البنين من سنة 1991 إلى 2000-2001 بنسبة 19.98% وزادت نسب تعليم البنات عن نفس الفتـرة 32.1%، أى أن النسبة فى الزيادة فى تعليم البنات تقريباً مرة ونصف بالنسبة لزيادة تعليم الذكور ، وهذا يؤدى إلى تضييق الفجوة بين تعليم البنات وتعليم الذكور، ونسبة التسرب الآن فى التعليم الابتدائى للبنات هى نصف نسبة تسرب تعليم الذكور من هذا النوع من التعليم .

هذه المحاولات كلها هى استجابة لما ناديتم به فى تقريركم الممتاز. لقد ناديتم بزيادة ميزانية التعليم وأنا أشكر مجلسكم الموقر على هذه الدعوى وأعتبرها دعوة موجهة ليس فقط إلى الحكومة، فالحكومة فى الحقيقة تبذل جهداً كبيراً فى زيادة ميزانية التعليم، وليس أدل على هذا من أن ميزانية التعليم حينما تولى الرئيس مبارك المسئولية سنة 1981 كانت 660 مليون جنيه، أما هذا العام فهى 20.4 مليار جنيه، إنما ما نحتاجه أكثر من هذا بكثير. ولا بد أن يشارك المجتمع فى دعم التعليم ، وفى الدول التى تقدمت حدث هذا بمشاركة مجتمعية هائلة أدت إلى تحقيق هذا التقدم الكبير، ولا أريد أن أكرر على مسامعكم أعداداً أو نسباً سيادتكم تعلمونها .

نحن ننفق على التعليم فى مصر كما جاء فى تقريركم الممتاز ما يعادل 170 دولارا فى السنة بالنسبة للطالب فى التعليم الأساسى، هذا الرقم فى إسرائيل 3500 دولار وفى دول أوروبا من 3000 إلى 5000 دولار،وفى أمريكا 10000 دولار، وفى دولة كسويسرا 12000 دولار ، وبالتالى نحن نريد أو نحتاج إلى زيادة كبيرة جداً فى الموارد المتاحة للتعليم، وهذا ليس معناه أننا لا نقدم بهذا المبلغ اليسير نتائج جيدة ، وكما جاء فى كلام حضراتكم وكلام زميلى الدكتور مفيد شهاب فإن أبناءنا المصريين الذين يذهبون إلى الدول المتقدمة، ومنها أمريكا، حينما يجدون المناخ المناسب الذى يستثمر إمكانياتهم، ويعلى من قدراتهم يتحولون إلى نجوم عالمية كما حدث لأحمد زويل، وفاروق الباز، وذهنى فراج، ومجدى يعقوب، وغيرهم عشرات من المصريين. وتعجبون حضراتكم أن عدداً كبيراً من طلابنا، الذين تقتضى ظروف أسرهم أن ينتقلوا من مصر إلى أمريكا مثلاً، ينقلون صفين زيادة عن الصف الذى كانوا موجودين فيه فى مصر .

التعليم المصرى ليس سيئاً بقدر ما يصور البعض، فبرغم قصور الموارد، وبرغم قلة ما ينفق على الطالب إلا أن المعلم المصرى العظيم والشعب المؤمن بالتعليم يساند أبناءه ويجعل منهم خامة صالحة تظهر مواهبها وتثقل خبراتها حينما تتوافر البنية المناسبة أو المناخ المناسب، وهذا حدث لكل من ذهبوا فى بعثات خارجية، معظم من ذهبوا إلى بعثات خارجية أصبحوا فى الحقيقة على مستوى عالمى، وأنا لا أتكلم فقط على الناس الذين ظلوا فى الخارج .. هناك الآلاف من المصريين البررة بوطنهم ذهبوا فى دراسات إلى الخارج وعادوا ليعملوا هنا فى مصر، وهم لا يقلون بأى حال من الأحوال عن مستوى زملائهم الذين أخذوا شهرة عالمية، ولكنهم فضلوا أن يعملوا من أجل شعبهم فى هذا البلد، وأن يجاهدوا معنا لتحديث مصر وتحسين صورة مصر.
أعتقد أن كثيراً مما طالبتم به حضراتكم موجود فى خطة الدولة، وفى إطار توجيهات الرئيس مبارك لنا ، لأن الرئيس جعل هذا المشروع هو المشروع القومى الأكبر لمصر، وأعطاه بحق مالم يعطه رئيس آخر لهذا البلد فى أى مرحلة تاريخية، وسيذكر التاريخ للرئيس مبارك أنه أعطى التعليم مكانة لم تحدث من قبل فى أى مرحلة، وأن الدعم الذى قدمه للتعليم جعل من هذا المشروع المشروع القومى الأكبر لمصر، وحقق نتائج قد حدثتكم عن بعضها، ولابد أن الكثيرين ممن أتيحت له فرصة أن يزور عدة مواقع قد شاهدوا كفاح المعلم المصرى الشريف فى ظل ظروف صعبة، وجاء على لسان الكثير من حضراتكم إشادة بما يحققه هذا المعلم المصرى الذى يعمل فى ظل ظروف صعبة وما حققته المؤسسة التعليمية التى تعطى نتائج لا ندعى أنها قاربت الكمال، ولا ندعى أنه "ليس فى الإمكان أبدع مما كان" ولكننا نقول أنها مقارنة بما ينفق فى التعليم فى مصر ، وهذا العمل يستحق منكم التقدير والدعم والتعاون لأن هذا هو مستقبل مصر الحقيقى، وشكراً جزيلاً، والسلام عليكم .


تم تنفيذ هذا الموقع بواسطة مركز معلومات مجلس الشورى

saic_logo.JPG