مجلس الشورى

English Version  | اتصل بنا الصفحة الرئيسية

 


بيان السيد الأستاذ الدكتور عاطف عبيد

رئيس مجلس الوزراء


السيد الدكتور عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء:

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الأستاذ الدكتور مصطفى كمال حلمى رئيس المجلس، الإخوة والأخوات أعضاء المجلس الموقر:

شرف لى أن تتاح الفرصة لكى استكمل مع حضراتكم الحوار حول موضوع من أهم موضوعات الساعة يتعامل وبصدق مع الرؤية المستقبلية لمصر، ونحن فى مطلع القرن الحادى والعشرين ويحاول أن يصل من خلال الحوار الجاد الهادف إلى برنامج قابل للتنفيذ، سوف أعرض، ومن خلال اجتهاداتنا داخل الحكومة، ما اتفقنا عليه من تحديد لطبيعة المهمة التى نرجو أن نوفق - بإذن الله - فى إتمامها، ثم نحاول التوصل إلى تحديد للأهداف المرجو أن تتحقق من وراء هذه المهمة، حتى نحاسب أنفسنا ونحاسب من سيشاركون فى التنفيذ عما تحقق من هذه الأهداف كمرجعية للمحاسبة فى المستقبل، ثم نجتهد فى تحديد ما هو مطلوب من إمكانات وموارد لتحقيق ما نصبو إليه، ونطرح سؤالاً حول إمكانية التنفيذ، هل هناك فى الواقع المصرى وبعد جهد متصل وعلى مدى عشرين عاماً من الإنجاز، هل هناك ما يشير، بل ويؤكد، أننا قادرون على إتمام المهمة ؟ ليس هناك دليل على النجاح المستقبلى، أفضل من النجاح فى الماضى والحاضر، وإذا ما أشارت الدلائل إلى القدرة على تحقيق النجاح ، أرجو أن نتفق على خطوات التنفيذ المستقبلية ، والتى بالضرورة ستلتزم الحكومة بما تتحمله من مسئولية قبلها وما نتفق عليه ، التحديث فى رأينا هو تعبئة لجهود المجتمع من أجل التوصل بقدرات المؤسسات الموجودة فيه والأفراد إلى مستوى مماثل لما تحقق فى الدول المصنفة على أنها دول متقدمة ، هذا هو التحديث .

إذا أردت أن أصنف على أنى محُدَّث فلابد أن أصل إلى المستوى الذى تحقق فيمن يحمل هذه الصفة، الصفة هى قدرات للمؤسسات وقدرات للأفراد المؤسسات العاملة فى مجال الإنتاج، المؤسسات العاملة فى الخدمات المرتبطة بهذا الإنتاج، مؤسسات المرافق، المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدنى .
هذا التعريف إذا اتفقنا عليه يؤكد أننا لكى نصل إلى الحداثة فأمامنا جَهد مكثف لابد أن يُبذل فى جميع مؤسسات المجتمع ، ولابد أن يطال جميع هذه المؤسسات دون استثناء. التحديث لن يؤتى ثماره من خلال تجزئته فالتحديث لا يُجزأ ، إذا أردت أن يؤتى ثماره فلابد أن يكون شاملاً وكاملاً . التحديث أيضا يجب أن يطال الأفراد ، فقوة المؤسسات تعتمد ضمن ما تعتمد على متغيرات أهمها قدرة هرم العاملين الموجودين فى هذه المؤسسات، التحديث يجب أن يطال المؤسسات الأهلية والمؤسسات غير الأهلية (الحكومية) ، التحديث أيضا ممتد ومتواصل ولا ينقطع ، أهم المخاطر التى يمكن أن يتعرض لها التحديث وجهوده أن تطفو ويزيد الحماس من أجلها ونندفع فى التنفيذ ويكبر الإنجاز ثم يتوقف لسبب أو لآخر ونعود بعد ذلك إلى فترة من تقييم الأمور وربما للعد العكسى ، لا قدر الله ، التحديث حتى يؤتى ثماره لابد وأن يكون مستداماً ، الدول التى صُنفت بأنها دول أتمت التحديث لا تعترف بأنها وصلت للتمام والكمال ، بل تواصل العمل وتتواصل الجهود فيها إلى مزيد من التحديث ، علينا أن ندرك هذا مقدماً ، أن التحديث عملية متصلة ومتواصلة ولن تتوقف ، حددناها داخل الحكومة فى المرحلة الحالية بستة عشر عاماً لأسباب سأشرحها لحضراتكم فيما بعد ، تتعلق باتفاقات دولية مدى زمنى لابد أن يتحقق فيه قدر من التحديث لكنه بالقطع سيمتد إلى أبعد من هذا .
التحديث أيضاً يجب أن نتنبه إلى أنه استغرق إنجازه فى الدول التى سبقتنا سنوات طوال ، الإنجاز، الذى تم فى الدول المصنفة على أنها دول متقدمة، تـم عبر رحلة تجاوزت مدتها الـ250 عاماً . بدأ فى مجموعة الدول الصناعية والتى نسميها نحن بالدول الصناعية الكبرى فى أوروبا الغربية منذ عام 1700 - 1750 واستمر حتى الآن، وبدأ فيمن قطع الرحلة من الدول الآسيوية عموماً وهى اليابان منذ ما يقرب من مائة عام . زمن وجهد التحديث امتد إلى مئات الأعوام ومطلوب ممن يريد أن يلحق بالركب أن يقطع نفس الرحلة فى مدى زمنى أطول وفى ظروف طبعا مختلفة .

التحديث أيضاً لم يصبح اختيارا بل أصبح واجباً بعدما حدث من تغيرات على الساحة العالمية خلال الربع القرن الماضى . الربع القرن الماضى شهد أهم التحولات فى التاريخ المعاصر وهو الاندفاع نحو كسب التأييد العالمى لتحرير التجارة وعولمة الأسواق ، معنى عولمة الأسواق، أن العالم يتجه إلى أن يكون البقاء للأصلح والأحدث، من ينفذ برنامج الحداثة والتحديث فله البقاء ، ومن يتخلف فلابد أن يبحث عن ساحة أخرى .
إذن، إذا أردنا أن نحصل على نصيبنا من التجارة العالمية التى تعولمت ، نصيبنا من الأموال العالمية المتجهة للاستثمار ، أسواق المال تمت فيها العولمة، إذا أردنا أن نحصل على نصيبنا من المعرفة ونمد جسور المعرفة حيث لا يتعامل العارفون إلا مع من يعرفون أيضا، فلابد من التحديث، إذن، وأكرر أن التحديث أصبح حتميا، وليس اختيارا، ونحن نرحب بهذه الحتمية لأنه الطريق الواضح نحو تحقيق مزيد من التقدم.

نستهدف من وراء برنامجنا للتحديث، أن نحقق فى مؤسساتنا ، فى الغالبية العظمى منها، القدرة على تحقيق قيمة مضافة تقترب من القيمة المضافة المحققة فى مثيلاتها . تحقيق القيمة المضافة العالية معناها أنه لابد أن نتجه نحو إنتاج عالى القيمة ، وإنتاج قابل للتسويق وقدرة على التسويق . يجب أن نعى مقدماً أيضا أن استفادة المجتمع من قدراته التى تتحقق بالحداثة لا تقتصر على الحداثة فى الإنتاج فقط . ولكن الحداثة فى أن يصل هذا الإنتاج إلى الأسواق ، وتحصل من خلال الجهد الإضافى على نصيبك العادل من التجارة العالمية. إنتاج بدون تسويق لا قيمة له ، وتسويق بدون إنتاج قابل لأن ينافس لا قيمة له. جهد متصل للتحديث فى عمليات الإنتاج وعمليات التواجد والحيازة لجزء من الأسواق .
التحديث لابد أن يشمل أيضا مؤسسات المجتمع ، لابد أن تكون المؤسسات الحكومية قادرة على حماية الوطن ، على فرض الأمن والاستقرار ، على إعمال العدالة، على مساندة الجهود التى تبذل فى مؤسسات الإنتاج من أجل زيادة القيمة المضافة، وليس وضع العقبات أمامها .
التحديث لابد أيضا أن يطال المؤسسات الحكومية المشاركة فى صنع البشر . التحديث لابد أن يطال المؤسسات المسخرة بعلمها وعلمائها لمساندة قواعد الإنتاج .
التنفيذ طبعا ليس سهلاً ، ولكن يحتاج إلى موارد ، يحتاج إلى مقومات يحتاج إلى التعامل مع معطيات ، التحديث بالدرجة الأولى لا يمكن أن يتم عشوائياً ، أنا أحدث كل المجتمع فلا أستطيع أن أترك هذا التحديث لكى يتم كل حسب مزاجه ، إنما لابد أن يتم على شكل معزوفة مرتبطة ببعضها البعض فى العالم الذى سبقنا فى بعض الحالات تم تلقائياً نتيجة للظروف التاريخية ولكن من يريد أن يختصر الزمن فلابد وأن يخطط قبل أن يبدأ التنفيذ ، وطالما أنه سيتم من خلال الإعداد لمخططات لابد أن نستند فيه إلى الخبرة والاجتهاد الخبرة بالقطع جزء منها موجود وجزء آخر متاح لدى العالم ، ولابد أن نقبل من البداية أننا سنسعى للحصول على هذه الخبرة أينما وُجدت . نتاج حتى يتحقق لابد أن يعتمد على الخبرة ولابد أن يكون هناك التزام على جلب هذه الخبرة أينما وجدت .
التحديث ، كما ذكرت ، رغم أن أهدافه مجتمعية إلا أن تحقيق هذه الأهداف المجتمعية لابد أن يتم على مستوى المؤسسات ، عندما خُضنا التجربة فى بعض القطاعات خضناها على المستوى الفردى فى بعض المصانع وبعض المؤسسات التجارية ، وأدركنا وعن يقين أن التحديث الشامل لابد أن يطال المفردات والمفردات جميعها . العمل سيكون فى المؤسسات والمحصلة فى النهاية للمجتمع ، وبالتالى ، لابد أن نجهز أنفسنا وأن نهيىء أنفسنا ، أصحاب مصانع وعاملين فى المصانع ، ومؤسسات داعمة لهذه المصانع، سواء الدعم المالى أو الدعم غير المالى أن العمل ، الجزء الأكبر منه ، سيتم فى قواعد الإنتاج وقواعد الخدمات كل منها على حدة.
التحديث عمل بالدرجة الأولى فى تنفيذه فردى، لكل مؤسسة على حدة والتجميع فى النهاية والمحصلة تعود على المجتمع .
التحديث سوف يحتاج إلى أموال لأن القدرة مرتبطة بنوعية المعدات التى تستخدم ، وتحديث المعدات يحتاج إلى أموال ، القدرة مرتبطة بالمعرفة والمعرفة إذا لم تتواجد لابد وأن تشترى ، والقدرة تتوقف على مهارة العاملين ، وتدريب العاملين يحتاج إلى أموال ، القدرة تتوقف على الأنظمة والأنظمة المطورة تحتاج إلى أموال ، إذن ، التحديث سيحتاج فى النهاية إلى أموال وأموال ليست بالقليلة ، ونحن نُصيغ برنامج التحديث لقطاع الصناعة وجدنا أن التحديث سوف يشمل ما يقرب من حوالى 12 ألف منشأة الـ12 ألف منشأة كان تقديرنا لها أنها تحتاج من عشرة إلى خمسة عشر مليار جنيه للتحديث ، إذن لابد من أن ننفق أموالنا ، التحديث أيضا سيحتاج إلى مهارات ، لأن من يريد أن يطور لابد أن تكون لديه خبرة فى التطوير، لا نستطيع أن نعتمد على مجتهد، ولا حتى عالم أكاديمى، ولكن عند التنفيذ نعتمد على أهل الخبرة من الذين حصلوا على علم سابق ، وطبقوا هذا العلم فى مواقع التنفيذ هذه الخبرات نادرة ، وقد نضطر فى المرحلة الأولى أن نستورد هذه الخبرات حتى نتعلم منها، وقد هيأنا أنفسنا لهذا ، المعرفة ليس لها جنسية ، أطلبها حينما وجدت وستجدها، وعندما بدأنا التجارب الأولية فى بعض مصانع الأسمنت كان يعمل لدينا 21 جنسية فى وقت واحد ، حصلنا على المعرفة من 21 جنسية ، لم نضع قيداً على أنفسنا ، أطلبوا العلم ولو فى الصين ، اطلبوا المعرفة أينما وجدت طالما أن هذه المعرفة نتائجها مؤكدة وهى التحديث .
التحديث أيضا سيحتاج إلى عنصر يكاد يكون هو الأهم ، وهو الإدارة لبرنامج التحديث، المال قد يتواجد والمعرفة قد تتواجد ، والمهارات قد تتواجد ولكن الفاعل والمؤثر على النتيجة هو القدرة على استخدام كل هذه الموارد والحصول على ما خطط لها من ناتج ، وهذا يتوقف على أنظمة ومهارة الإدارة .
التحديث أيضاً لا يحتاج فقط إلى موارد ولكن يحتاج إلى قناعات من المجتمع ، وهذا هو الأصعب بعض الشىء ، الموارد ممكن تدبيرها وتحسب موارد أمام نتيجة ، نضع مالا ونأخذ مقابله ، أضع مهارة وأنمى مهارة والمهارة سوف تستفيد ، ولكن سيحتاج إلى قناعات من المجتمع، أول هذه القناعات، علينا أن ندرك مقدماً، ونحن مقبلون على برنامج التحديث أن النتائج لا تتحدد بقرارات ، ولكن تتحدد من خلال جهد منظم ، وعلى مدى زمنى محدد يؤتى بثماره تدريجياً ثم يتجمع،.. تحديث الصناعة لا يتم بقرارات من وزير الصناعة ، تحديث الزراعة لايتم بقرار من وزير الزراعة ، تحديث البحث العلمى لا يتم بقرار من وزير البحث العلمى ، وتحديث التعليم لا يتم بقرارات من وزير التعليم، القرارات مساعدة ، مساعدة فقط ، ولكن التحديث يتم من خلال منظومة ، منظومة تتكون من برامج وتشريعات، أو تعديلات تشريعية تهيئ المناخ ، وقرارات وجهود تبذل وموارد ، القرارات تمثل جزئية وتؤثر فى النهاية على النتائج ، وعلينا أن نقنع أنفسنا، لأن أسهل شىء أن أقول إن النتيجة ستتوقف على القرار فى انتظار صدور القرار ويتحقق، ثم يتحول المجتمع إلى غالبية متفرجين منتظرة من الأقلية أن تتخذ لها القرارات.
قرارات تبدأ وتنبع من الجميع، نحن جميعا ومن يعمل فى المؤسسات ، سنقبل عملية التحديث وسنساهم فى تحقيقها ، أيضا القناعة لدى المجتمع بأننا حينما نحدث نحول قدرات المؤسسات الموجودة فى المجتمع القابلة للتحول ، وسيبقى فى المجتمع جزء من هذه المؤسسات غير قابل للتحول ، بل إن جدوى الإنفاق للمال أو توجيه الجهد للتحول فى هذه المؤسسات جدوى سلبية ، ليس من المصلحة، قد يكون من مصلحة المجتمع إغلاق بعض المنشآت بدلاً من بذل الجهد فى تحديثها ، نحن لم نتعود على هذا ، حتى القديم نحافظ عليه ، الذى يصبح غير قابل للاستخدام نكومه ونحافظ عليه، لابد أن نقبل الوفاة ، كما تحدث الوفاة فى الكائنات الحية ، لابد أيضا أن نقبل الوفاة لبعض المؤسسات غير القابلة للاستمرار وغير القابلة للحياة ، ومواجهة الأمر الواقع ، هذا قدر ولابد أن نقبله ، لابد أن نقبله ، هذا صعب علينا ويحزننا ، ولكنه أمر لابد أن نواجهه ، ولابد أن تأتى به المشيئة شئنا أو لم نشأ.

أيضا التحديث سيفرض تميزاً فيما بين الناس على أساس الكفاءة وعلينا أن نقتنع إذا أردنا أن نحدث فلابد وأن نميز الأكفاء فى المجتمع، لا يمكن أن يكون الناس فى المجتمع متساوية فى الكفاءة ، أو متساوية فى القدرات أو متساوية فى العلم أو متساوية فى العطاء ، إذا اختلف العطاء وإذا اختلف الجهد، وإذا اختلفت المعرفة وإذا اختلف العلم فلابد أن يختلف الجزاء، ولابد أن نقبل أن الجزاء لابد أن يكون بقدر العطاء ، هذه معطيات لابد أن نتقبلها ، هذا أمر جديد على المجتمع ، لكن الحداثة لا تقبل غير هذا الحداثة أيضاً - كما ذكرت - ستحتاج إلى موارد ، قد لا تكون موجودة فى المجتمع ونجلبها من أطراف أخرى ، ستحتاج إلى أموال إضافية قد تكون أموالنا غير كافية ، وسنحتاج إلى خبرات إضافية، الخبرة قد تكون غير كافية ، وسنحتاج إلى معارف إضافية، والمعارف غير كافية ، فلابد وأن نقبل استقبال هذه الموارد من الخارج دون تحيز أو تعصب ، نحرر أنفسنا من تحيزات ، إن وجدت أو تعصبات، إن وجدت ضد جنسيات معينة ، أو هويات معينة إذا حملت هذه الجنسيات والهويات معها ما يفيد عملية التحديث ، تحرر من أشياء تاريخية طُبعت على الذات ، طبع هذه المعالم على الذات لابد وأن نتحرر منها تقديرياً ، أيضاً التحديث سيؤدى فى مراحله الأولى إلى فروق فى الدخول، من يسرع فى التحديث على مستوى المؤسسات، ومن يشارك أكثر فى عملية التحديث من بين المشاركين فى داخل المؤسسات سيكون جزاؤه أكبر ، وبالتالى الدخل سيكون عاليا وغير القادر على التأقلم وإعداد النفس والمشاركة سيكون جزاؤه ضعيفاً ، وبالتالى سوف تتفاوت الدخول فى المرحلة الأولى على الأقل ، ولا يساندها إلا تكافل اجتماعى ، الذى يكفل غير القادرين ، ولكن علينا أن نقبل أن تفاوت الدخول هو نتيجة للتحديث ، ولا نوقف التحديث نتيجة لوجود هذه الفروق فى الدخول، الفروق فى الدخول نتيجة حتمية لعملية التحديث ، الفروق فى الدخول ستؤدى فى النهاية إلى مزيد من المدخرات ، ومزيد من المدخرات ستوجه فيما بعد ذلك إلى مزيد من التحديث ، نُسخر هذه الفوائض فى الدخول إلى ما ينفع التحديث بدلا من أن نقف منها موقفاً معادياً ، علينا أن نتعود على الفروق ، والفروق الضخمة فى الدخول .

البلاد التى سبقتنا ، نسبة فروق الدخول تصل فيها من واحداً إلى عشرة آلاف ، هناك أناس تأخذ واحداً وأناس تأخذ عشرة آلاف ، ولكن من يأخذ عشرة آلاف لأنه استفاد وصارع وأقدم على المشاركة فى عملية التحديث والاستفادة من ظروف السوق التى صاحبت عملية التحديث ، التحديث أيضا سوف يتطلب منا أن نمد الجسور مع العالم ، نقبل العالم كما هو، ونحاول أن نتجاوب مع ما يفرضه العالم علينا ، القاعدة التى تعودنا عليها أن ما تحصل عليه على مائدة المفاوضات يتوقف على قوتك النسبية، بقدر ما تقوى بقدر ما تحصل وأنت تتفاوض ، وأنت تلجأ للعالم المحدث راغباً التعاون ، أو راغباً المساعدة ، فعليك أن تدرك القوة النسبية ، وتحاول بقدر الإمكان أن تحصل على ما هو متاح ، وليس بالضرورى ما هو مطلوب وعلينا أيضا أن نصل إلى القناعة بأن التحديث وإن كان برنامجاً متصلاً ولسنوات طويلة ، فلابد من أن يُقيَّم بين آن وآخر ، هو تجربة إنسانية والتجارب الإنسانية يصاحبها نجاحات ويصاحبها بعض الأخطاء ، ولا يمكن أن تتفادى التأثيرات المستقبلية فى الأخطاء إلا إذا روجعت هذه الأخطاء من آن إلى آخر ، وإلا إذا اعترفت بأن الإنسان قد يخطئ ، لأن كل ابن آدم خطاء ، والخطأ ليس هناك ما يعيب فيه، فليس من العيب أن تخطئ ، ولكن من العيب أن تستمر فى الخطأ ، تراجع وتجرد ، وإذا أخطأت تصحح أخطاءك وتعترف بالخطأ ، وإذا أصبت تحاول أن تستفيد مما يتحقق.

إذا توصلنا إلى هذه القناعات ، وجندنا هذه الموارد ، هل التحديث ممكن على أرض مصر ؟ قناعتنا داخل الحكومة أن التحديث ممكن ودليلنا على هذا أنه تحقق وتم فى عدد من المؤسسات وصلنا من خلال التسجيل الفعلى فى أداء هذه المؤسسات وقدراتها إلى العالمية، التحديث يفرض علينا أن نسجل ما تم فى هذه المؤسسات الناجحة لأنه من الضرورى أن يكون لدينا مرجع نعتمد عليه، ويفضل أن يكون المرجع محلياً، قطاع الزراعة مثلاً لمشاهَد أن هناك عدداً من المزارع المصرية بادر أصحابها إلى الانتقال إلى أماكن متعددة من العالم بحثاً عن الأحدث فى المعرفة وزودوها بأحدث المعدات، حصلوا على أكفأ المهارات، واستطاعوا أن يوطدوا الصلات مع أسواق متجددة وجديدة وحديثة فى العالم، محصلة هذا فى النهاية أن القيمة المضافة التى تتحقق للجنيه المستثمر أو للعامل أو للفدان توازى وتعادل -إن لم تزد فى بعض الحالات- القيمة المضافة فى أفضل وأحدث المزارع فى العالم. صحيح أنها نماذج ليست كبيرة فى عددها، ولكنها نماذج تؤكد بالدليل القاطع أن النجاح قد تحقق على أرض مصر، إن هذه النماذج إذا ما سُجلت ودُرست وقُدمت للآخرين يمكن محاكاتها . إن القليل يمكن أن يكون كثيراً من خلال برنامج مخطط أو ما نطلق عليه مخطط التحديث.
بالمثل فى المصانع لدينا مصانع للغزل تقدم للأسواق العالمية أفضل غزول العالم، وأعلى إنتاجية فى العالم، وأقل تكلفة فى العالم، ومحجوز إنتاجها بواسطة طالبى هذا الإنتاج لعدة سنوات مستقبلية وصحيح أن العدد قليل، الكثرة فى الجانب الآخر والقلة فى هذا الجانب، ولكن هو دليل على أن هذا موجود، فى الغزل موجود، فى مواد البناء موجود، فى الصناعات الكيماوية موجود، فى الأجهزة المنزلية موجود، فى الأثاث موجود، فى صناعة الأجزاء والمكونات موجود، فى المركبات خاصة الأتوبيسات موجود فى العديد من الصناعات، نحن استقبلنا فى الشهور الماضية عدداً من رؤساء الشركات العالمية العاملة فى مصر والمدارة إدارة عالمية، وهم يؤكدون أن إنتاجية العامل فى شركاتهم فى مصر وإن مستوى الجودة فى الشركات فى مصر تقترب إن لم تجاوز مستوى الأداء من حيث الإنتاجية ومن حيث الجودة لفروعهم فى البلاد الأم إذا كانت فى ألمانيا أو إنجلترا أو فرنسا أو اليابان أو الولايات المتحدة، ليس هناك أبلغ من هذا دليل على أن هذه النماذج يمكن محاكاتها.

فى مجال السياحة نحن لدينا ما يقرب من عشرين شركة عالمية تدير فنادق فى مصر وتقيم الخدمة على مدار العام وتنشر عالمياً وتقول إننى استطعت أن أحقق المستوى العالمى للأداء فى عدد من النماذج -ليس فى الكل- ولكن فى عدد من النماذج الناجحة. بالمثل قطاع الاتصالات، بالأمس القريب، يقول اليوم إنه وصل فى جودة الاتصال بالتليفونات إلى أنه قبل أن أضرب الرقم الأخير يكون الاتصال قد تم، اللمسة الأخيرة للرقم الأخير. كذلك الكهرباء، الشبكة العادية .
الموانئ بفضل الاهتمام بها ، فى الموانئ، فى المطارات، فى الطرق إلى آخره.. الفجوة موجودة فى بعض قطاعات الخدمات، ولابد أن نعترف بها وفى المؤسسات الحكومية وترجع طبعاً فى قطاعات الخدمات لأسباب تاريخية ترجع إلى طبيعة الإدارة، وقصور الموارد والحريات الممنوحة، فى قطاعات الخدمات فى المراكز التى أعطيناها الحرية وأعطيناها الموارد وحددنا لها المعايير وفتحنا لها الباب أن تمد الجسور مع العالم حققت المستوى العالمى وأقرب مثل لهذا مركز الكلى الذى يتبع جامعة المنصورة، مركز طبى مشهود له اليوم بأنه من القلائل فى العالم التى تحقق هذا المستوى من الإنجاز.
إذن الإنجاز ممكن حتى فى المراكز البحثية والمراكز العلمية ومراكز الخدمات، وإن كانت تملكها الدولة وستظل الدولة مالكة لها، ما هو المطلوب لكى نُعد برنامجاً وننجح فيه؟ المطلوب بالقطع هو تصوير للواقع فى جميع القطاعات والمؤسسات، بمعنى أنه عندما أسرعنا فى إعداد برنامج التحديث للصناعة كان لابد أن نحصر جميع المنشآت الصناعية الموجودة فى مصر .
كان لابد أن نقيّم الأوضاع فى كل هذه المؤسسات من خلال مجموعات من أهل الخبرة ، كان لابد أن نصنف هذه المؤسسات إلى قابل للتحديث، وغير قابل للتحديث، كان لابد أن نحدد وأن نضع برنامجاً لكل منشأة صناعية لكى نستطيع أن نعمل . كان لابد أن نحسب التكلفة ونحسب أيضاً الموارد المتاحة ونحدد إمكانية التنفيذ. إنها عملية طويلة وليست سهلة، كما لو أن هناك كاميرا فيديو ونصور الواقع على أرض الواقع، وهذا ما كنا نفعله وقت الإصلاح فى قطاع الأعمال العام، المصنع قبل تسليمه للتحديث والتطوير نصوره كاملاً من أول البوابة حتى لمبات الإنارة المعلقة فى الأسقف، ونقول :
هذا هو الواقع وهذا هو الحديث، هذه الفجوة كيف ننفذها وبكم ومتى؟ هذا النوع من العمل لابد وأن يتبعه بعد ذلك صياغة لبرنامج عمل تفصيلى يضم جميع المؤسسات التى ستخضع للتحديث ، المخططات الشاملة أو ما يطلق عليه المخططات الشاملة، تحتاج إلى جهد ووقت .
فى تقديرنا كحكومة إذا شاركنا مع المجتمع المدنى ومع القطاع الخاص والمؤسسات العلمية سوف يستغرق منا سنة على الأقل نستخدم فيه أحسن خبرات العالم وأحسن الخبرات المحلية ونجهز له مكاناً يتسع لهذه الخبرات مطلوب منا أيضاً أن نتفق مقدماً على أن المشاركين فى إعداد هذه المخططات سيتحولون إلى وحدات تدير عملية التنفيذ بمجرد الاتفاق أو الموافقة على التنفيذ .
نحن نخطط وبعد ذلك لابد أن ننفذ ومن شاركوا فى التخطيط والإعداد لابد أن يتولوا مسئولية التنفيذ على أرض الواقع، المهم أننا نقبل هذه الكيانات، والكوادر طبعاً مرتباتها عالية تصل إلى مرتبات فلكية، لا أريد أن أفصح عن الأرقام لكى لا نندهش . الكوادر التى ستعمل فى هذا ستأخذ مكافآت بالمعايير المحلية فلكية، والمعايير العالمية لابد أن تكون مقبولة ، لابد أيضاً أن نرسل للمجتمع رسالة من الآن تؤكد أن التحديث مطلوب وممكن وحتمى وألا نرسل إلى المجتمع رسالة تؤدى إلى إحباطه وهز الثقة فيه ونقول ليس هناك فائدة وغير ممكن.. استحالة.. أين نحن؟ إلى آخره.... كلما كررنا رسالة اليأس والإحباط تعمق اليأس وكلما كررنا رسالة الممكن -بشرط أن نذكر حقائق- كلما عرضنا الحقائق والممكن وكررناها كلما تعمقت الثقة وزادت القناعة بإمكانية النجاح سيحتاج الأمر أيضاً إلى جهد خارق فى إعادة تشكيل مهارات قوة العمل فى مصر من العمالة للقيادة، نحتاج إلى مهارات من نوع آخر، نحتاج إلى فنيين من نوع آخر، نحتاج إلى أعمال السكرتارية من نوع آخر، نحتاج إلى أعمال من أعمال الخبرة من نوع آخر، نحتاج إلى قيادات من نوع آخر، وعلينا أن نعد وننفذ برامج لإعادة تأهيل البشر تبدأ من المدارس والجامعات وتمتد إلى مؤسسات التدريب، لأنه لم يعد هناك تدريب اسمه تدريب مؤقت .. عملية تغيير المهارة عملية دائمة، ولابد أن يكون التدريب تدريباً متصلاً ومستمراً أيضاً نحتاج إلى أن نبدأ من الآن توفير الأموال وهى بالبلايين المطلوبة لعملية التحديث ونحسب جدواها، ونضع الأولويات الأكثر جدوى فى الأولوية والأقل جدوى تأتى فى مرحلة تالية، نحتاج إلى أن نتفق على الجدول الزمنى الذى سنطبق على أساسه أسلوب التطوير.
الإخوة والأخوات ، التحديث ضرورة وقدر،وحتى إذا أردنا أن نتحاشاه فلن يتحاشانا أبداً ، أمر حتمى وضرورى تفرضه الظروف العالمية ويفرضه بالأكثر قناعة من الحكم الوطنى فى مصر أن ما يتحقق من إنجاز على أرض الواقع تسجله مؤشرات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يمكن أن يتعاظم من خلال برنامج التحديث، تلقينا الإشارة من الرئيس والقائد الرئيس محمد حسنى مبارك . وجندنا أفضل الخبرات لإعداد صياغة أولية، سنأتى بمكونات هذه الصياغة إلى حضراتكم فى وقت قريب حتى تراجعوا، وحتى تصححوا ما قد يكون ورد فيها من أخطاء وحتى يمكن أن نبدأ فى خطوات التنفيذ على بركة الله والله الموفق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


تم تنفيذ هذا الموقع بواسطة مركز معلومات مجلس الشورى

saic_logo.JPG