English Version  | اتصل بنا الصفحة الرئيسية

 
تقرير مجلس الشورى عن تحديث مصر

الباب الثالث
الـســيــــاحــــة

السياحة ظاهرة إنسانية قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ، وقد تطورت خلال النصف الثانى من القرن العشرين تطورا كبيرا أضحت معه ظاهرة عالمية لا يستطيع أحد إنكارها  حيث أثبتت أنها ظاهرة ذات آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وبيئية بعيدة المدى .

ولذا تزايد الاهتمام العالمى بها بوصفها أكبر الصناعات المولدة للدخل ولفرص العمل وقاطرة التنمية الاقتصادية بما يشيعه رواجها من رواج اقتصادى عام له تأثيره الإيجابى المضاعف على قطاعات اقتصادية إنتاجية وخدمية عديدة مرتبطة بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة .

وقد عرفت مصر طوال تاريخها بأنها مقصد للسائحين والجوالة منذ أن زارها " هيرودوت " فى التاريخ القديم مسجلا اندهاشه من اختلافها الشاسع عن بلاده اليونان وظلت مصر كذلك طوال تاريخها الوسيط والحديث ، ثم أضاف اكتشاف آثار الفراعنة العظام منذ بدايات القرن الماضى سحرا خاصا إلى مصر بجانب ما بها من آثار دينية وحضارية فريدة تتحدى الزمان فى شموخها وعظمتها هذا بجانب ما تتمتع به من موقع جغرافى وسط العالم ومناخها المعتدل صيفاً وشتاءً ، وسواحلها السهلة الممتدة ، وما بشواطئها من كنوز الشعب المرجانية الفريدة ، كل ذلك يعد من مزاياها النسبية التى توفر للتنافس المطلوب والتفوق المأمول عناصره وضماناته .

ويأتى فى مقدمة هذه المزايا النسبية التى تتمتع بها مصر كمقصد سياحى  تنوع مجالات السياحة ما بين سياحة المؤتمرات والمعارض ، سياحة الشواطئ والسياحة الترفيهية  السياحة العلاجية ، السياحة الدينية بأقسامها الثلاثة

(إسلامية - مسيحية - يهودية) ، سياحة السفارى ، السياحة الرياضية من مهرجانات ومسابقات ، وأهمها السياحة الثقافية والأثرية باعتبارها من اقدم أنواع السياحة فى مصر ، فمهما تعددت أنواع السياحة وامتلاك مصر لمقومات العديد منها ، تظل السياحة الثقافية هى المقوم السياحى غير المتكرر أو المتشابه أو القابل للمنافسة نظرا لما تمتلكه مصر حيث يوجد بها ثلث الآثار المعروفة فى العالم أجمع  بجانب وجود العديد من المتاحف الهامة منها متحف الآثار المصرية بالقاهرة وهو أغنى متاحف العالم فى الآثار الفرعونية .

وقد شهدت مصر نهضة سياحية حقيقية منذ الثمانينات حيث تطورت مؤشرات نمو صناعة السياحة من قرابة مليون سائح عام 1982 إلى 2.5 مليون عام 1993 ثم قفزت إلى ما يزيد على 5.5 مليون سائح عام 2000، وازدادت الطاقة الفندقية من 18.9 ألف غرفة عام 1982 إلى قرابة 58 ألفا عام 1993 ثم وصلت إلى 117 ألف فى نهاية يونيو 2001 ، كما أسهمت السياحة خلال السنوات القليلة الماضية فى تحقيق تنمية مكانية أكثر توازنا بإضافة قرابة 12 ألف كم مربع انتزعتها من الصحراء الجرداء إلى المعمور المصرى.

بالإضافة إلى ذلك أصبحت صناعة السياحة المصرية قاطرة التنمية الاقتصادية باعتبارها من أهم صادراتنا على الإطلاق ، خدمية كانت أم سلعية ، كما تعتبر المصدر الأول للاقتصاد القومى من العملات الأجنبية  بواقع 4.5 مليار دولار عام 2000 ، كما زودت الخزانة العامة للدولة بقرابة 2.8 مليار جنية سنويا لحصيلة الضرائب والرسوم التى تفرض على الدورات المتابعة لإنفاق السائحين،هذا بجانب أنها صناعة كثيفة للعمالة مما تساهم فى حل مشكلة البطالة خاصة بين الشباب وخريجى الجامعات حيث تخلق الغرفة الفندقية الواحدة ما بين 2.7-3 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة ، وهذه ليست أرقام جامدة ولكنها دلالات نماء مؤكدة .

والواقع أنه لا يمكن الحديث عن كيفية تحديث مصر سياحيا دون الإشارة إلى الأزمة العالمية الراهنة والتى لم يقتصر تأثيرها فقط على قطاع السياحة   وإنما امتد ليشمل كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى .

فالسياحة شأنها شأن أى نشاط إنتاجى أو خدمى فى أى بلد من العالم تتأثر بمناخ الاستقرار الدولى والإقليمى وأيضا الاستقرار الداخلى ، فكلما ساد مناخ دولى وإقليمى وداخلى أكثر استقراراً أدى ذلك إلى زيادة حركة السياحة فى العالم  وعلى العكس كلما كان المناخ الدولى والإقليمى أو الداخلى يشوبه الصراع بشكل عام وأعمال الحرب والعنف والإرهاب بشكل خاص ضعفت الحركة السياحية ، وهو ما واجهته السياحة المصرية فى الآونة الأخيرة من أزمات إقليمية ودولية كانت لها تأثيرات سلبية على النشاط السياحى .

فما شهدته منطقة الشرق الأوسط من تصعيد للعمليات العسكرية الإسرائيلية فى مواجهة الانتفاضة الفلسطينية الثانية فى سبتمبر 2000  كان له تأثيراً سلبياً على اقتصاديات السياحة فى كل دول المنطقة ومن بينها مصر فقد تأثرت حركة السياحة الوافدة إلى مصر بانخفاض أعداد السائحين بنسبة تتراوح ما بين 5 إلى 6% عن سنة 2000 والتى بلغ عدد السائحين خلالها 5.5 مليون بزيادة قدرها 14% عن عام 1999 .

كما ألقت الأزمة العالمية الراهنة - الناتجة عن الأحداث التى شهدتها الولايات المتحدة فى 11/9/2001 وما اتخذته الولايات المتحدة من رد فعل عسكرى - بظلالها السلبية على السياحة المصرية، حيث انخفضت حركة السياحة المصرية ، لما نتج عنها من عزوف عام عن السفر بسبب الخوف من ركوب الطائرات بل الخوف من منطقة الشرق الأوسط بأكملها  فرغم أن مصر آمنة إلا أن المنطقة تمثل منطقة خطر فى أذهان السائحين من أوربا الغربية وأمريكا ، هذا بجانب الحالة الاقتصادية العالمية التى تدهورت نتيجة أحداث الإرهاب ، كل هذا كان له مردود سلبى على السياحة والسفر بصفة عامة وحركة السياحة الوافدة إلى مصر .

فمن المتوقع أن تشهد السياحة المصرية انخفاضا فى أعداد الوافدين وهو ما يؤدى بدوره إلى انخفاض الإيرادات السياحية بحوالى 75% ، هذا إلى جانب الأثر السلبى على العمالة بالاستغناء عن الزيادة منها وتخفيض المرتبات أيضاً .

يتضح مما سبق مدى جسامة الموقف الراهن ومدى خطورة هذه الأزمة التى ألقت بتأثيراتها السلبية على النشاط السياحى بل وصناعة السياحة  بصورة عامة ، وهو ما يتطلب العمل جديا لحماية هذه الصناعة والحفاظ عليها، بل يجب العمل على تطويرها وتحديثها لتتلاءم مع التطورات العالمية المستجدة انطلاقا من أهميتها المتزايدة باعتبارها مستقبل هذا الوطن وميزته التنافسية الأولى فى ظل العولمة ، ومصدر تمويله الرئيسى من النقد الأجنبى  والمحفز الأول  لحركة الرواج التجارى فى الأسواق ، والبوتقة التى تستوعب المزيد من العمالة .

وهذا أدعى إلى أن يحتضن الجميع هذه الصناعة الواعدة ويتبنى قضاياها والعمل على تحديثها وتطويرها للوصول بمصر إلى مكانتها السياحية الجديرة بها فى ضوء ما تتمتع به من مزايا ومغريات سياحية  ويتحقق ذلك عن طريق:-

1- تكامل سياسة الدولة للسياحة مع السياسة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة فى مصر ، وأن يتضح هذا التكامل بما يضمن اكبر قدر من التنسيق بين الأجهزة المختلفة والاستمرارية فى التنفيذ وبما يضمن وضوح :

·          الأهداف القومية للتنمية السياحية سواء كانت أهدافا عامة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو بيئية .

·      الأساليب والاستراتيجيات المختلفة لتحقيق تلك الأهداف .

2- إنشاء مركز للمعلومات السياحية ، وفق احدث تطورات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، يتضمن بيانات دقيقة ، تحدّث بانتظام بشأن كل متغيرات النشاط السياحى فى مصر ، مثل المنتجات السياحية المصرية بكافة أنواعها ، والفنادق ، والقرى السياحية  والمحال العامة ، وشركات النقل السياحى ، والموانئ والمطارات والمنافذ البرية ، وأعداد السائحين وغيرها  فوجود هذا المركز شرط أساسى لتنفيذ وتطوير السياسة السياحية ، مع ضرورة أن يكون هذا المركز متصلا بشبكات المعلومات الإلكترونية الدولية، بما يمكنه أيضا من خدمة النشاط السياحى بشكل مباشر ، وبما يواكب التطورات الحديثة فى السوق السياحية الدولية .

3- العمل علي تحقيق نمو في الحركة السياحية الدولية الوافدة إلى مــصر وذلك بالتعاون مع الغرف السياحية وهيئة التنشيط السياحى ووزارة السياحة عــن طريق :-

·      تنويع المنتج السياحى المصرى وترويح أنماطه المختلفة 0

·      فتح أسواق سياحية جديدة بناء علي سياسات مدروســـة .

·      تكثيف الجهود التنشيطية والتسوق السياحى عن طريق الاشتراك في المعارض والمؤتمرات السياحية والمهرجانات وتنفيذ الحملات التنشيطية المختلفة .

·      تبسيط إجراءات الدخول من المنافذ المختلفة ( برية - جوية - بحرية).

4- العمل علي تحقيق التنمية السياحية المتواصلة من خلال :-

·      الاستغلال الأمثل للموارد السياحية والطبيعية والحضارية وتطوير البنية التحتية والفوقية وخاصة في المناطق السياحية .

·      الحفاظ على البيئة فى المناطق السياحية وذلك بالتعاون مع وزارة البيئة.

·      الاستفادة بالخبرات الدولية في المجالات المختلفة للعمل السياحى وبوجه خاص في التعليم والتدريب وتنمية المهارات الفنية في القطاع السياحى.

5- تشجيع السياحة الداخلية وتنشيط برامجها مع التأكيد على أن الإنفاق على السياحة الداخلية ليس إنفاقا كماليا بل إنفاقا ضروريا لما تحققه من فوائد عديدة اقتصادية ( تنشيط المعاملات التجارية فى مناطق المزارات السياحية )

اجتماعية ( زيادة فرص العمالة والعمل على استقرار العمالة السياحية فى حالة اضطراب السياحة الدولية والإقليمية )  وثقافية ووطنية (تنمية الجوانب الثقافية والتعليمية للمواطنين وتنمية الشعور الوطنى ) .

ولتنشيط السياحة الداخلية يجب العمل على :

·      إجراء خصومات فى أسعار الإقامة الفندقية ومنح أسعار تشجيعية للمواطنين .

·      تخفيض أسعار الإعلانات الخاصة بتنشيط السياحة الداخلية .

·      تنشيط سياحة المجموعات للمصريين من خلال شركات السياحة المصرية .

6- منح التيسيرات المالية للاستثمار السياحى لتشجيع الاستثمار فى مجال السياحة ومن هذه التيسيرات والتسهيلات :

·      التوقف الكامل عن فرض أى رسوم أو أعباء مالية جديدة سواء على المنشأة السياحية أو الفندق أو السائح .

·      توفير التسهيلات المصرفية اللازمة لشركات الاستثمار السياحى التى قطعت شوطا كبيرا فى التنفيذ ووصلت معدلات إنجاز مشروعاتها إلى 80% والتى يقدر عددها بحوالى 12 مشروع

7- العمل جديا لتنشيط السياحة العربية وذلك عن طريق :

·      منح أسعار المجموعات للسائحين العرب .

·      تنظيم قوافل سياحية للأسواق العربية الرئيسية .

·      سرعة تدبير الاعتمادات المالية اللازمة لفتح مكاتب للتنشيط السياحى فى الدول العربية التى لا يوجد بها مثل هذه المكاتب أو سبق إغلاقها .

·      تخفيض ضريبة الملاهى والأفراح لتشجيع العرب على إقامة مناسباتهم فى مصر .

8- وضع استراتيجية قومية للتنمية والتسويق والتنشيط السياحى تعتمد على الميزة النسبية السياحية فى كل مناطق مصر، ولخلق عناصر جذب سياحية جديدة تكون سببا فى تأكيد الطلب القائم وخلق طلب جديد على نطاق زمنى وجغرافى أوسع ، وأن تحشد كل الطاقات القومية الطبيعية والبشرية والمالية والتنظيمية والحكومية والشعبية لإعداد هذه الاستراتيجية القومية الشاملة وأن تشارك فى تنفيذها كل قطاعات الدولة وفق أدوار محددة العناصر والتوقيت .

9- اعتماد الأسلوب العلمى المواكب للتطورات الحديثة فى السياحة الدولية لتسويق مصر سياحياٍَ ، وذلك من خلال إجراء الدراسات العلمية المنتظمة للأسواق السياحية ، وترشيد عمل المكاتب السياحية المصرية بالخارج بما يضمن أن تسهم فى التسويق السياحى ، وتنظيم وتنسيق مشاركة شركات السياحة فى ذلك التسويق والاتصال بالمؤسسات والشركات العالمية الكبرى المهيمنة على التسويق فى أسواق السياحة الرئيسية ، وتطوير الخطوات التى تبذل الآن لتسويق السياحة المصرية من خلال الإنترنت .

10- مراجعة القوانين واللوائح التى تنظم السياحة المصرية ، بما يستجيب للتطورات السريعة فيها ، وبما يتواكب أيضا مع التغيرات الكبيرة فى السوق السياحى الدولى .

11- إنشاء جهاز دائم لمواجهة أزمات السياحة ، تتوفر لديه كافة البيانات عن السياحة المصرية الداخلية والخارجية ، وعن المشكلات المحتمل حدوثها ، ووضع السياسات والاستراتيجيات البديلة لمواجهتها ، بما يضمن حماية صناعة السياحة فى مصر من الآثار السلبية لتلك المشكلات بقدر الإمكان.

12- إنشاء نظام تأمينى للحماية من أخطار الحوادث المحلية والإقليمية والدولية التى يمكن أن تتعرض لها السياحة وتكون ذات اثر سلبى عليها .

13- إنشاء بنك للتنمية السياحية تتجمع فيه الخبرات السياحية القادرة على إعطاء دفعة قوية للاستثمار السياحى على غرار دول كثيرة مثل المكسيك وقبرص ويؤدى ذلك إلى وجود فرص حقيقية لمساعدة المستثمرين بقروض ميسرة وسهلة لإنجاز مشروعات التنمية السياحية .

14- زيادة مساحة التواجد الإعلامى للمناطق التى تتمتع بمميزات نسبية فى مختلف وسائل الإعلام وإصدار مطبوعات وأفلام ووسائل إعلامية خاصة بها وليست ضمن المناطق ذات الاهتمام والعمل على تقديم هذه المناطق الجديدة ضمن القوافل الإعلامية بالخارج .

15- العمل على تطوير وتحديث مستويات المهارة الفنية السياحية وذلك عن طريق :

·      إنشاء نظام متطور يتيح وضع معايير مهنية دقيقة لقياس مستويات المهارات لقطاع السياحة قياسا على المستويات العالمية .

·      إتاحة فرصة للارتقاء بمستوى العاملين مهنيا وذلك من خلال رفع المستوى الفنى لهم وتحفيزهم على هذا الارتقاء المستمر .

·      وضع برامج تدريبية لتأهيل العمالة السياحية طبقا للمتطلبات الفعلية للسوق السياحى الحالية والمستقبلية وإنشاء مستويات تدريبية معتمدة ومعترف بها خارجيا مما يؤدى إلى خلق طلب خارجى على العمالة المصرية وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة الفعالة فى العملية التدريبية .

          وأخيراً ، من الأهمية بمكان أن نؤكد على حقيقة هامة مؤداها أنه لا يمكن تنمية وتحديث القطاع السياحى بمعزل عن تنمية وتحديث المجتمع ككل ، فالتنمية الشاملة للمجتمع تؤدى إلى تنمية السياحة والعكس صحيح حيث إن تنمية السياحة تتضافر مع غيرها من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق التنمية الشاملة والتى تعود بالفائدة على كافة المواطنين بلا استثناء .

ولذا فإن معيار نجاح السياحة فى تحقيق دورها المنشود إنما يتحدد فى النهاية بما أسفرت عنه من فوائد ملموسة للاقتصاد الوطنى، ولكافة المواطنين المرتبط عملهم بها سواء بطريق مباشر أو غير مباشر .


سابق    التالى


تم تنفيذ هذا الموقع بواسطة مركز معلومات مجلس الشورى

saic_logo.JPG