English Version  | اتصل بنا الصفحة الرئيسية

 
تقرير مجلس الشورى عن تحديث مصر

ثــالـثـــاً
تنمية القوى البشرية والإدارة المحلية

الباب الأول
التنمية البشرية المدخل الأساسى لتحديث مصر

         ينحاز هذا الجزء من التقرير إلى جانب التنمية البشرية باعتبارها أولى المكونات التى يجب أن يشتمل عليها البرنامج الوطنى لتحديث الدولة المصرية بل هى الشرط الأول للتحديث والانطلاق بقوة نحو التنمية المستدامة، ومواجهة المستقبل فى إطاره الجديد من منافسة جدية فى جميع مجالات الإنتاج والخدمات والتنافس التكنولوجى بـهدف احتلال مكانة تليق بتاريخ مصر وحضارتـها وشعبها العريق . إن الانحياز إلى التنمية البشرية لا يعنى إغفال باقى مكونات برنامج تحديث الدولة أو التقليل من أهميتها، ومنها تحديث قواعد الإنتاج وخاصة مفردات البنية الأساسية وتحديث المصانع، والعناية بالجودة، والكفاءة الإنتاجية والابتكار والاختراع والتطبيق، وتحديث المؤسسات السياسية، ومؤسسات المجتمع الأهلى، والمدارس والجامعات والمستشفيات ... الخ . إلا أن كل هذا يعتمد أساساً على موارد بشرية عالية الكفاءة والمهارة قادرة على تشغيل مختلف قطاعات الإنتاج والخدمات وتطويرها وتحديثـها المستمر بالفكر الإبداعى المتجدد القائم على علم جيد وتدريب مستمر وامتلاك تكنولوجيا وطنية قادرة على تحديث مختلف قطاعات النشاط الاقتصادى والاجتماعى .

         ومما يزيد من أهمية الخصائص المطلوب توافرها فى الإنسان المصرى والتى تـمثل جانب الكيف، أن جانب الكم الذى يبلـغ اليوم أكثر من 67 مليون نسمة - والمتوقع لـه أن يصل إلى حوالى 90 مليوناً عام 2017 و 123 مليوناً عام 2029 - يصبح بدون هذه الخصائص عبئاً ثقيلاً على عملية التنمية مما يجعل الأمر أكثر صعوبة فى مواجهة المستقبل ومشكلاته المتعددة .

         ويتمثل التحديث فى التغلب على مجموعة من المشاكل يجب التصدى لـها بقوة حتى يمكن الانطلاق نحو التحديث بمفهومه الشامل . وقد جاء توجيه السيد رئيس الجمهورية بل تكليفه للحكومة بأن تتقدم بتصور شامل لمكونات الخطة الممكن تنفيذها لتحديث الدولة المصرية بجميع قطاعاتـها ومؤسساتـها من خلال سياسة تكنولوجية محددة، تحدد أولوياتنا التكنولوجية، وإقامة القاعدة التكنولوجية الوطنية لتطوير القدرات التقنية والانتقال من مجتمع المعلومات إلى مجتمع المعرفة وتبنى سياسة ثقافية شاملة ترفع الوعى الثقافى والعالمى للمجتمع المصرى وزيادة القدرة الذاتية على تحقيق دخل أكبر للدولة لتوفير كافة متطلبات التنمية .

         وتشير الجوانب السابقة إلى أن التحديث المرغوب والمطلوب هو تحقيق التنمية بمعناها الشامل والواسع والعميق والمتعدد الجوانب وتحديث كافة أجهزة الدولة، وإعداد البشر والأجيال والمجتمع وما يتطلبه ذلك من تضافر كافة قطاعات الدولة الاقتصادية والإنتاجية والحزبية والبشرية بنظرة شاملة تتضمن أيضاً السياسة الخارجية والداخلية والأمن والإعلام والثقافة وغيرها .

         ومع تسارع خطى العولمة وتناقص أهمية الرسوم الجمركية سوف يزداد اعتماد الدولة فى تنمية مواردها المالية على الدخل القومى، ولن يتحقق ذلك إلا بزيادة دخل الأفراد الذى يعتمد بدوره على زيادة الإنتاج وتحسين جودته ورفع القدرة التنافسية والتصديرية والدخول فى السوق العالمى بقوة مما يتطلب أن تعمل الدولة على زيادة قدرة الأفراد على الكسب، وذلك عن طريق تنمية مهاراتـهم الأساسية فى سوق العمل وتغيير سلوكياتـهم لمزيد من التفانى والعطاء ( تحديث التعليم والتدريب والثقافة والإعلام ...الخ )، كما أن زيادة الإنتاج والدخل القومى تتطلب تحديث الخدمات المكملة لقواعد الإنتاج السلعى وتطوير المؤسسات خاصة مؤسسات إعداد وتوعية الأفراد (مؤسسات التعليم والإعلام) .

         لقد تكونت شخصية الإنسان المصرى بكل مقوماتـها نتيجة لما عاصرته على طول تاريخها الطويل من تفاعلات وتراكمات ترسبت وانصهرت فى أعماقه على مر الزمن، فجعلت من الإنسان المصرى محصله تستحق البحث والدراسة والتحليل بل والتأمل وخاصة فى ضوء ما أنجزه فى حرب أكتوبر المجيدة وإنجازاته الإنمائية المتعددة، كل ذلك بإمكاناته المادية المحدودة وإمكاناته الشخصية وقدراته غير المحدودة .

         إن قيمة الإنسان المصرى تتطلب الوقوف على عناصر شخصيته وفهمها ودراستها كأساس لإحداث تلك التنمية فى إطارها المرغوب ولتحقيق الدور المفروض القيام به خلال القرن الجديد بمتغيراته وتحدياته .

         فالإنسان المصرى ذو شخصية تتميز بالأصالة، والصبر، وهو فى معظم الأوقات إنسان بسيط راض بالواقع الذى يعيشه، ولديه قوة تحمل وهو قادر على التكيف مع الظروف، كما أنه يتمتع بذكاء فطرى ويتسم أيضاً بالسماحة والتسامح والطيبة والكرم والوفاء والشهامة والمروءة ومناصرة الضعيف ونجدته، كما أن عنده من الإيمان ما يعينه على الشعور بالأمن و الأمان والطمأنينة، وإن كانت هناك بعض السلبيات التى منها السلبية نفسها فى أحيان كثيرة، والتواكل، وقد يرفض التغيير ويستكين لما هو عليه حيث القناعة بالقليل .

          كما أن هناك مجموعة من العادات والتقاليد الشخصية والاجتماعية، والتى قد تعرقل التغيير المنشود والتطور . هذا وتشير كثير من الدراسات إلى أن الجوانب السلبية فى شخصية الإنسان المصرى ترجع فى كثير من أسبابـها إلى الظروف التى مرت بالمجتمع المصرى وخاصة فى فترات الاستعمار وما فرضه من قيود وحرمان القاعدة العريضة من أبناء مصر من حقوقها فى التعليم والثقافة والرعاية الصحية . وقد أرجع الباحثون بعض هذه السلبيات إلى أسباب أخرى مثل الزيادة السكانية والأمية .

         تلك هى محاور شخصية الإنسان المصرى بإيجابياتـها المطلوب تدعيمها والحفاظ عليها وتنميتها، والسلبيات المطلوب القضاء عليها وعلاجها بل وتحويلها إلى إيجابيات وصولاً إلى أن يصبح المصرى إنساناً يعمل على تحقيق صالحه وصالح أسرته ووطنه، أى وضع استراتيجية للتنمية البشرية فى إطار التنمية الشاملة، واعتبار منهج التنمية البشرية مدخل تحديث مصر خلال القرن الحادى والعشرين فى جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية .

         إن تطبيق مبدأ التنمية البشرية فى جميع جهود التنمية المستقبلية بـهدف إعداد المواطن المصرى ( رجلاً أو امرأة ) اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً لمواجهة تحديات التحديث  يتطلب أن يتم تسليحه بالعلم والتكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية الجسمانية والروحية بل والنفسية لتحمل عبء جهود التنمية الشاملة .

        وهكذا ينبغى أن تبنى الاستراتيجية المصرية للتحديث على عدة اعتبارات أساسية منها ما يلى :

الاعتبار الأول : إن تنظيم أوضاع التنمية البشرية هو جوهر عملية التحديث لأن الإنسان المصرى هو محرك عملية التحديث والضمان لنجاحها واستمراريتها وأن رفاهية الإنسان المصرى تقع فى بؤرة الاستراتيجية، كما أن صونه وإعداده يقع فى بؤرة أولوياتـها .

الاعتبار الثانى : أن تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية أمر لازم سواء كان ذلك بين أقاليم مصر المختلفة أو بين فئات المجتمع أياً كانت نشاطاتـهم  أو أوضاعهم الديموجرافية . إن العمل على تقليل الفوارق يمثل ضمان لزيادة درجة استقرار المجتمع، سواء كانت هذه الفوارق بين طبقات المجتمع وفئاته المختلفة أو بين الرجل والمرأة أو بين أقاليم الدولة ووحداتـها الإدارية المختلفة فالفوارق عبارة عن درجة من عدم المساواة أو عدم العدالة فى أى من جوانب التنمية .

كما أن لاستراتيجية التحديث عدة محاور ولعل أهم محاورها هو المحور الخاص بالتنمية البشرية لكل سكان مصر من رجال ونساء، شباب وشيوخ وأطفال، ويهدف محور التنمية البشرية إلى تحقيق كرامة الإنسان المصرى وتوسيع مجال خياراته وتوفير حياة طيبة له ولأسرته . إن الإنسان هو غاية الغايات لذلك ينبغى تحقيق إشباع مستمر لحاجات الإنسان المختلفة، الاجتماعية والثقافية والروحية، وتوفير الطمأنينة له .

هذا ومن أهم محاور الاستراتيجية أيضاً تحديد سمات أو صفات الشخصية المصرية المرغوبة كمدخل أساسى لتحديث مصر أو تحديد ما هو الحد الذى يجب أن يتحلى به الإنسان المصرى المؤهـل للقيام بجهود التنمية المستقبلية لتحديث مصر .

ومن المحاور الـهامة العمل على تحقيق النمو المتوازن لشخصية الإنسان المصرى، أى العناية بالغرس البشرى ونموه نمواً متوازناً خلال جميع فترات النمو المعروفة علمياً وأن تكون عناصر النمو المختلفة متناسقة متكاملة بحيث تجعله يتحلى بالعناصر الإيجابية متمكناً من قدراته وتطويرها بما يجعل منه مواطناً مؤمناً بوطنه وبعمله وبدوره فى تنمية مجتمعه ووطنه وتحديثه، ومتسلحاً بالقيم الدينية الرشيدة والسمحة والقيم الروحية والمبادئ والمثل العليا . وهذا الجانب يشير إشارة كبيرة وواضحة إلى التعليم والتدريب، والصحة والرعايـة البدنية والجسمانية . إن قطاعى التعليم والصحة هما جناحى الحصول على إنسان جيد يخدم عملية التنمية والتحديث . إن التسلح بالعلم والانتفاع به وتطويره وتطويعه وتطبيقه فى الحياة يخدم التقدم لجميع أبناء مصر، كما أن تحقيق الصحة النفسية والجسمانية وسلامة البدن هو جانب هام لتوازن شخصية الإنسان . والمحاوران  الأساسيان السابقان أى التعليم والصحة يكملهما بعض الجوانب الأساسية لشخصية الإنسان المطلوب خلال القرن الذى نعيشه وهى الجوانب الثقافية، والوعى، والثقة بالنفس، والإيمان بقيمة العمل، والتفتح الفكرى على كل ما يجرى من حوله بعد الانفتاح المعرفى فى ظل السماوات المفتوحة، ويتحقق ذلك كله عن طريق تنمية محورها الإنسان ومنهجها التنمية البشرية .

وهناك محور آخر لا يقل أهمية وهو غرس فكر التنمية والتحديث فى تصرفات وسلوك الإنسان المصرى، فالتنمية الشاملة بمفهوم التحديث تتم عن طريق توجيه جميع المشاركين فى عملية التنمية من أفراد ومؤسسات على اختلاف نوعياتهم ودوافعهم ومواقعهم إلى العمل الجاد لتحقيق زيادة مطردة فى الدخل القومى وعدالة توزيع هذا الدخل ورفع مستوى معيشة الإنسان، ومن ثم يشعر الإنسان بآثار التنمية الفعلية فيسعى إلى بناء نفسه وتنمية قدراته وتغيير أنماط سلوكه وتصرفاته، بل وتغيير عاداته وتقاليده لتصير فى إطار فكر التنمية والتحديث الشامل لوطنه، الذى يؤمن به وينتمى إليه .

إن غرس فكر التنمية المستمرة والتحديث أى التطوير المستمر يستلزم التغيير، والتغيير يؤدى إلى التقدم، والإنسان المصرى هو دعامة وأساس هذه المراحل المترابطة والإنسان أيضاً هو غاية التقدم .

إن استراتيجية التنمية بمفهوم التحديث الشامل تحتاج إلى خطط طويلة المدى تحشد فيها كافة الموارد والإمكانيات وعلى رأسها وفى مقدمتها الإنسان المصرى .

إن خطة التنمية القومية الشاملة والتحديث ليس مجرد اعتمادات مالية وإنما هى بالدرجة الأولى أهداف واقعية تتحقق على مراحل تـهدف إلى إحداث تغيير فى نوعية الحياة للإنسان وفى الإنسان نفسه قائمة على فلسفة واضحة أو أيديولوجية مصرية محددة يكون هدفها الإنسان المصرى وتقوم بإعدادها جميع الأجهزة والـهيئات والمؤسسات مركزية ومحلية ذات الصلة أو التى تقدم نشاط معين يرتبط بإعداد الإنسان المصرى بحيث أن هذه الـهيئات جميعها تحدد أهداف واضحة وصريحة ومحددة تتكامل مع بعضها وتتشابك لتقدم إنسان مصرى جدير باسم مصر وحضارتـها وقادر بإمكانياته وقدراته على إحداث التنمية والتحديث المستمر .

وفيما يلى بعض التوصيات التى يمكن أن تكون مدخلاً رئيسياً للتحديث خلال المرحلة القادمة :

-  تحديد واقع المجتمع المصرى من حيث مشاكله واحتياجاته وإمكاناته ومدى تحقيق الخطط والبرامج والمشروعات القائمة حالياً لأهداف التنمية وتقييم ذلك .

-  التأكيد على أن الإنسان هو محور التخطيط إذ أنه هو هدف التنمية النهائى وليس فقط أداة للتنمية، و أن يتصدر الاهتمام بتنمية قدرات الموارد البشرية أولويات برامج التنمية والأهم من ذلك هو تعظيم الاستفادة من هذه القدرات .

-  التركيز على مرحلة الطفولة كمدخل أساسى للتنمية البشرية " الغرس الجديد " لتحقيق أهداف استراتيجية التنمية البشرية .

-  تخطيط وتنفيذ برامج توعية تـهتم بالجوانب الوقائية والتدريبية والتأهيلية سواء فى الريف أو الحضر مع إعطاء أولوية مناسبة للقطاعات التى هى فى احتياج أكثر من غيرها .

-  تطوير مناهج الرعاية الاجتماعية بصفة عامة بحيث تلبى احتياجات الواقع الاجتماعى الذى نعيشه وتحقق قيم التكافل الاجتماعى .

-  التحقق من انتشار مجالات الرعاية ووصولـها إلى كافة المواطنين تحقيقاً لمبدأ إشباع الحاجات الأساسية للمجتمع .

-  إعطاء أهمية خاصة لتنمية المرأة المصرية والعناية بـها ورعايتها تعليمياً وصحياً وثقافياً بل  وتدعيم مشاركتها ودورها فى التنمية فى جميع المجالات وتدعيم دورها بدءاً من أسرتـها وحتى قمة المسئولية. فحرمان المرأة أو تعطيل مشاركتها فى جهود التنمية هو بلا شك تعطيل لنصف طاقة المجتمع . كما أن تنظيم دور المرأة وحصولـها على كامل حقوقها له آثار مباشرة وغير مباشرة على عملية التنمية والتحديث . وغنى عن البيان أن دعم قوة النساء والارتقاء بمستوى مشاركتهن فى الحياة السياسية  والاقتصادية والاجتماعية يتطلب إحداث تغييرات جذرية فى مواقف وسلوكيات المجتمع عند التخطيط للتنمية .

الباب الثانى
تحديث مصر من خلال تحديث الإدارة

إن تخطيط التنمية الشاملة للتحديث لا تحتاج لإدارة " إدارة التنمية والتحديث " فقط بل إلى ثورة فى الإدارة بصفة عامة وإدارة التنمية بصفة خاصة . ويستعرض الجزء التالى من التقرير هذا الموضوع .

من المتفق عليه أن تحديث الإدارة هو جزء أساسى من منظومة تحديث مصر، وأن مفهوم إدارة شئون الدولة والمجتمع يقدم إطاراً ملائماً لتوجيه عملية الإصلاح فى ظل المتغيرات العالمية، ويقصد بتحديث الإدارة تحسين قدرة ورفع كفاءة الجهاز الإدارى، وذلك بإدخال الأساليب الإدارية والتقنية الحديثة بما يتلاءم مع المتغيرات العالمية والمحلية . أما مفهوم إدارة شئون الدولة فيعبر عن نمط جديد من التفاعلات والتشابكات .

تؤدى ظاهرة العولمة وظهور التكتلات الاقتصادية مثل منظمة التجارة العالمية وغيرها وثورة المعلومات والاتصالات، والأخذ بمبدأ الخصخصة، إلى  ضرورة تغيير وتطوير دور الدولة، وما يستتبع ذلك من تأثير كبير على شكل منظومة الإدارة  العامة وأسلوب عملها والقيم السائدة فيها .

فتغير دور الدولة وسيادة مفهوم العولمة أدى إلى ظهور فاعلين جدد يشاركون الدولة وجهازها الإدارى فى عملية وضع وإدارة وتنفيذ السياسات، مثل القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، مما أدى إلى مناداة العديد من الخبراء بضرورة تطوير الجهاز الإدارى ليعمل بكفاءة عالية وبتكلفة أقل . وبالإضافة إلى ذلك فقد ساعد انتشار ثورة الاتصالات والمعلومات على تغير شكل المنظومة العامة من الشكل الهرمى إلى شكل شبكى حيث تلعب أجهزة  الكمبيوتر وشبكات المعلومات دوراً أساسياً فى الربط بين أجزاء المنظمة الواحدة داخلياً والربط بين المنظمة وغيرها من المنظمات الأخرى خارجياً بالإضافة إلى ربطها بجمهور المتعاملين . كما أن تعاظم دور شبكات المعلومات والاتصالات قد رسخ منظومة قيم جديدة مثل الشفافية والمساءلة والمراجعة والمشاركة، حيث لم تعد المعلومة حكراً على مستوى إدارى دون آخر بل أصبح معيار النفوذ والقدرة على التأثير هو كيفية إدارة هذه المعلومات .  

يضاف إلى ذلك أن ظهور التكتلات الاقتصادية وإعلاء مبدأ المنافسة قد أدى إلى ترسيخ قيم الجودة والابتكار فى العملية الإدارية، بحيث أصبحت الجودة الشاملة عنصراً أساسياً لأى منظمة إدارية .

وينطلق مفهوم إدارة شئون الدولة والمجتمع كأساس لتحديث الدولة من عدة اعتبارات أهمها :

- إن الإدارة الفعالة للدولة والمجتمع تتطلب وجود جهاز إدارى ذى كفاءة عالية، بصرف النظر عن الدور المنوط بالدولة وعن عدد الفاعلين المشاركين فى هذا الدور .

- إن تحديث الجهاز الإدارى ضرورة للحفاظ على ما تم إنجازه على طريق الإصلاح الاقتصادى، حيث ينعكس هذا التحديث على تحسين ودعم مناخ الاستثمار والتنمية .

- إن تحديث الجهاز الإدارى ضرورة لتدعيم الإصلاح السياسى، فرفع مستوى أداء الخدمات، وتبسيط الإجراءات يسهل حصول المواطنين على الخدمات العامة بجودة عالية وبأسلوب يحترم آدمية المواطن، ويؤدى إلى تعظيم انتماء المواطن للوطن، وارتفاع نسبة الرضاء العام عن النظام السياسى، الأمر الذى يحقق الاستقرار السياسى .

-  إن الجهاز الإدارى هو المحك الأول لعلاقة المواطن بالدولة، وكلما كانت صورة هذه العلاقة إيجابيـة كلما زادت درجة مشاركة المواطن فى الحياة العامة .

وعلى الرغم من تعدد برامج الإصلاح الإدارى وخطط التطوير والتحديث فى مصر إلا أن تحليل أوضاع الجهاز الإدارى فى الدولة يشير إلى مجموعة من المشكلات، تتمثل فى تضخم حجم الجهاز الإدارى، وعدم ملاءمة الثقافة والمهارات الإدارية مع متطلبات العصر، وفقدان الحافز والدافع للإنجاز، وضآلة المرتبات وعدم كفايتها، وعدم ربط وتقييم الأداء ببرامج للثواب والعقاب أو الترقى، وضعف الكفاءة والفاعلية، وانعدام الجودة فى الخدمات العامة، وضعف المساءلة والمحاسبة والشفافية، وتعقد الإجراءات، بالإضافة إلى عدم رضاء المواطنين عن نوعية وأسلوب تقديم الخدمات العامة .

وبناءً على  تحليل ورصد هذه المشكلات يوصى المجلس بأن تحديث الجهاز الإدارى للدولة يتطلب الأخذ بمنظومة متكاملة للإصلاح، تشتمل على عدة أطر نلخصها فيما يلى :   

- إطار قيمى يقدم ثقافة مؤسسية جديدة تعلى قيم النزاهة والجودة وترشيد الإنفاق والمحافظة على المال العام ورضاء متلقى الخدمة بالإضافة إلى تعظيم قيمة الإنجاز .

          ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاعتماد على مفهوم الإدارة بالأداء كأساس لعملية التحديث حيث تكون القيمة العليا هى قيمة الأداء وتحدد معايير لقياس جودة أداء العاملين والمؤسسات العامة على حد سواء، ويتم ربط الأداء بنظام للثواب والعقاب يتم من خلاله التمييز بين من يؤدون عملهم على أكمل وجه، وبين من يتقاعسون عنه .

- إطار مؤسسى تنظيمى يقوم بمعالجة تضخم وترهل حجم الجهاز الإدارى من أجل الوصول به إلى الحجم الأمثل، ويعكس الوظائف الحقيقية المخول له القيام بـها، ويقضى على الازدواجية وتضارب الاختصاص، الأمر الذى يتطلب تحديد الـهدف من الجهاز الإدارى فى ظل الدور الجديد للدولة والمتغيرات العالمية والمحلية الجديدة وإعادة النظر فى بعض الـهياكل الإدارية القائمة بما يحقق التوازن بين وحدات الجهاز الإدارى والتنسيق بين الأنشطة المختلفة، وتفعيل دور وحدات المتابعة والتقييم، والتوفيق بين الرغبة فى تحقيق كفاءة الجهاز الإدارى من جانب وقدرته على الاستجابة لمطالب المواطنين من جانب آخر، أو بعبارة أخرى المواءمة بين عامل الكفاءة والبعد الاجتماعى .

- إطار للتنمية البشرية يقوم على تنمية القدرات والمهارات الإدارية بما يتلاءم مع روح العصر ومتطلبات السوق وبمعدل جودة يتلاءم مع المعدلات المتعارف عليها دولياً . وتجدر الإشارة هنا إلى التجربة التى قامت بـها وزارة التنمية الإدارية بالاشتراك مع جمعية جيل المستقبل وهى تجربة للإعداد المبكر للقادة بالاتفاق مع كلية الإدارة بجامعة هارفارد ونوصى بتعميمها .

- إطار تقنى فنى يأخذ بنظم المعلومات الإدارية والطرق المختلفة لإدارة المعرفة من خلال ميكنة الأعمال الإدارية داخل المؤسسات العامة على كل المستويات، وتعميم استخدام الحاسب الآلى داخل المؤسسة وكذلك عمل شبكة داخلية تربط مختلف إدارات المؤسسة معاً، وإنشاء شبكة خاصة بين المؤسسات العامة وبعضها البعض حتى تتحقق السرعة فى توفير المعلومات، والتكامل فى تحقيق الخدمات أى الأخذ بنظام الحكومة الإليكترونية الذى يساعد على توفير المعلومات لكل المواطنين على حد سواء، كما أنه يباعد بين المواطن والموظف مما يؤدى إلى تبسيط الإجراءات .

سابق    التالى


تم تنفيذ هذا الموقع بواسطة مركز معلومات مجلس الشورى

saic_logo.JPG