English Version  | اتصل بنا الصفحة الرئيسية

 
تقرير مجلس الشورى عن تحديث مصر

الإطار الفكرى لتحديث مصر

تقـديـم :

دعا الرئيس محمد حسنى مبارك فى الكثير من خطبه وفى اجتماع الهيئة البرلمانية للحزب الوطنى لمجلس الشورى فى 24/6/2001 إلى ضرورة العمل على " تحديث مصر " ، بوضع الاستراتيجيات والخطط التى تحقق هذا الهدف الأسمى ، بناء على دراسات موضوعية متعمقة  ومشروعات طموحة واقعية  تحيط بكل مجالات الحياة المصرية ، ليصبح " تحديث مصر المشروع الوطنى الحضارى الأساسى " ، الذى يعمل على متابعة وملاحقة التقدم العالمى الهائل  والسير معه بخطى متصلة جادة تعبر الفجوة الكبيرة التى تفصل بين حاضرنا وما نصبو إليه من مستقبل يزدهر بكل مقومات الحياة الكريمة من عزة ورخاء وأمان ورقى .

والتحديث يتطلب بالضرورة التفاعل الحى والتطوير المستمر لمواكبة تفجر المعرفة ، والثورات العلمية والتكنولوجية، والاتصالات والمعلوماتية والنظم الاقتصادية، والتجارية الجديدة بما يحقق الخير والأمن والتقدم والرفاهية لأفراد المجتمع ، ومن ثم فهو ضرورة حياة وواجب وطنى ومجتمعى فى المقام الأول  وهو مسئولية كبرى ، خاصة ونحن نعيش بداية الألفية الثالثة ، وإلا أصابنا الجمود  وهو ما لا يقبله أبناء الكنانة ، ولا يتفق مع تاريخها المجيد وتقاليدها العريقة .

إن مصر هى مهد الحضارة الإنسانية ، بزغت شمسها على واديها الخصيب لتشرق منه بعد ذلك على العالم كله ، لتعلن عبقرية هذا الوطن فى كل العصور وبفضل كل الأجيال .

إن فراعنة مصر أصحاب أقدم الحضارات وأروعها ، قد حلقوا فى الآفاق ، وشملت أمجادهم وإبداعاتهم جوانب الحياة ، فأسسوا حضاراتهم على أساس متين من العقائد الإيمانية الروحية فكانوا أول من نادى بالتوحيد والإيمان باليوم الآخر  كما أنها كانت ثمرة جهد الإنسان المصرى الدائب فى بيئة صالحة يمثلها مجتمع وطيد الأركان نشأت به أول دولة فى التاريخ شامخة البنيان شديدة القوة والعنفوان  فارتادوا ونبغوا فى مختلف العلوم والفنون والآداب التى أضاءت حياتهم والدنيا كلها من حولهم .. حتى أن الحضارة الإغريقية ، التى يعدها الغرب أساس حضارته الحديثة ومصدرها قد استمدت بعض روافدها من امتزاج حضارات الشرق القديم ولاسيما حضارة مصر التى لعبت دورا أساسيا فى بنائها .

وقد انصهرت كل الحضارات القديمة فى بوتقة واحدة تألقت شعلتها فى الإسكندرية حيث أنشئت مكتبتها حافظة وداعمة ومجددة للتراث الإنسانى الشرقى والغربى ، وأصبحت ملتقىً عالميا فريدا للفكر الدينى والفلسفى والعلمى والطبى .

ويستمر التواصل إلى مصر القبطية بكنيستها الأرثوذكسية مؤكداً على رسوخ العقيدة الدينية فى نفوس المصريين وقلوبهم، وليضربوا أروع الأمثال فى الفداء والتضحية ضد الكفر والتعصب والجهالة والإرهاب إلى جانب مقاومة الاحتلال الرومانى ورموزه جهادا للتحرر الوطنى والإنسانى.

ويستمر التواصل بعد ذلك فى مصر الإسلامية ، لتتعمق الروح الإيمانية التوحيدية ، ويتأسس الأزهر الشريف فى مصر ليكون أول جامعة للفكر الإنسانى الشامل لعلوم الدين والدنيا وسراجا منيرا ينشر الدعوة ويحافظ عليها إلى يومنا هذا  ويدعو إليها بالتى هى أحسن بكل الاعتدال والوسطية والتسامح والعقلانية التى تمثل أعلا مراتب الرقى البشرى . ويزدهر مع الأزهر ، وبه، مختلف العلوم والآداب والفنون التى ما لبثت مع الحضارة الإسلامية الزاهية فى بقية أمة الإسلام أن انتقلت إلى أوربا ، فتبدأ بها ومعها ، عصر التنوير والنهضة معتمدة كل الاعتماد على أصول الحضارات الفرعونية والإغريقية والإسلامية وغيرها من حضارات الشرق القديمة .. مؤكدة تواصل الحضارات لا صراعها  وامتزاجها وتطورها ، حلقات متصلة متداخلة ومتفاعلة من العبقرية الإنسانية الأصيلة والممتدة .

ولا يقف التغيير والتطوير عند هذا الحد ، بل يستمر إلى مصر الحديثة فى أوائل القرن التاسع عشر (عهد محمد على) ، حيث تنفض عنها آثار الحكم العثمانى  لتنطلق مرة أخرى لتحقيق النهضة الشاملة والتنوير الإبداعى فى كفاح مرير ومتلازم من أجل التحرر والاستقلال والبناء الجديد لنظام الحكم والإدارة والاقتصاد فى مجالاته الرئيسية فى الصناعة والزراعة والرى والعسكرية ، ويأتى فى مقدمه كل هذا بناء الإنسان المصرى من خلال التعليم والتدريب والاستنارة الثقافية والعلمية بالإيفاد فى بعثات إلى الخارج وإنشاء المدارس العليا مثل الهندسة والطب والألسن فى الداخل مما أتاح للمواطن المشاركة الفعلية فى إدارة شئون البلاد والحكم ، وقد ظهرت البدايات قد ظهرت بإنشاء المجلس العالى عام 1824(فى عهد محمد على) ثم مجلس شورى القوانين عام 1866 (فى عهد إسماعيل ) حتى دستور 1923 وقيام البرلمان على نظام المجلسين مجلس النواب ومجلس الشيوخ .. وهى فى كل ذلك تسير قدما فى طريق النهضة ، وتكافح الاحتلال البريطانى (1882-1956) بكل قوة وتصميم وإرادة ووحدة وطنية مثالية ويستمر النضال بزعامة مصطفى كامل فى بداية القرن العشرين، ثم ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول ، ثم ثورة 23 يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر لتمثل نقلة تاريخية فى تاريخ مصر الحديث ، بإلغاء النظام الملكى وإقامة النظام الجمهورى  وجلاء الاحتلال البريطانى ، وتأميم قناة السويس ، ويصبح التعليم مجانيا فى جميع مراحله حتى الجامعى والعالى امتداداً لمجانية التعليم الابتدائى والثانوى التى أرساها طه حسين عام 1951 ، ويتم بناء السد العالى  كما يتوج النضال الوطنى بنصر أكتوبر العظيم عام 1973 الذى حققه جيش مصر البطل فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات بطل الحرب والسلام وصاحب قرار العبور، هذا النصر العظيم الذى كانت الضربة الجوية الفاتحـة له بقيادة الرئيس محمد حسنى مبارك قائد نسور مصر  ليكون هذا النصر باعثا للعزة والكرامة الوطنية من ناحية ، والتغيير والتطوير الوطنى فى كافة مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من ناحية أخرى …  وقد شملت فى عهد الرئيس مبارك ترسيخ مبادئ الحرية والديمقراطية وسيادة القانون ، والتعددية الحزبية ، وحرية الرأى والتعبير وحرية الصحافة ، والعدالة الاجتماعية  وإقامة المشروعات الإنمائية العملاقة للخروج من الوادى الضيق وفى مقدمتها المشروع القومى لتنمية سيناء ووصول مياه النيل إلى سيناء وإقامة كوبرى مبارك - السلام عبر القناة ، والمشروع القومى لتنمية جنوب مصر وتوشكى والوادى الجديد وشرق العوينات ، والساحل الشمالى ، وشرق بورسعيد ...

وقد بلغ ما تم صرفه نحو 742 مليار جنيه على المشروعات الإنمائية فى العقدين الأخيرين ، منها نحو 353مليار جنيه على البنية الأساسية، حيث دخلت الكهرباء لأكثر من 6000 قرية ، والتوسع فى إنشاء الوحدات الصحية والمستشفيات ، وإقامة المدارس حتى بلغ عددها نحو 33000 مدرسة بالإضافة إلى 13 جامعة حكومية .

وقد اهتمت الدولة بإعداد القوى البشرية من خلال التعليم والثقافة والبحث العلمى حيث يبلغ أعداد الدارسين بالمدارس والمعاهد والجامعات نحو 18 مليون طالب وطالبة منهم نحو  7 ملايين طالبة ، يقوم على إعدادهم نحو مليون معلم وأكثر من 40000 من هيئة التدريس بالجامعات ومعاونيهم .

هذا بجانب التوسع الكبير فى مراكز البحث بالجامعات والوزارات لتبلغ نحو 350 مركزاً يعمل فيها أكثر من 50000 من حملة الدكتوراه والماجستير.

ويتوافر لمصر قوى بشرية عاملة تضم أكثر من 3.5 مليون من خريجى الجامعات ونحو سبعة ملايين من خريجى المعاهد الفنية والمتوسطة ومثلهم من العمال المهرة فضلاً عن تراكم معرفى من نتاج كوكبة من أعلام ورواد الفكر فى العلوم والفنون والآداب .

ومصر تحرص على توفير حق الإعلام للمواطنين كافة حيث بلغ عدد الصحف والمجلات القومية والحزبية والفنية والثقافية أكثر من 500 صحيفة ومجلة ، والطفرة الكبيرة فى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة من خلال الأقمار الصناعية لتغطى كل أرض مصر ولتصل إلى مختلف أرجاء العالم .

كما تميزت هذه الفترة ببدء سياسة الإصلاح الاقتصادى بأسلوب متدرج مع الحفاظ على البعد الاجتماعى وزيادة مساهمة القطاع الخاص فى مشروعات التنمية لتبلغ أكثر من 50 % والعمل على جذب رؤوس الأموال المصرية والعربية والأجنبية دعما للتعاون الاقتصادى والإنتاج القومى .

وذلك كله بالإضافة إلى الموقف العربى والقومى الرائد بقيادة الرئيس محمد حسنى مبارك نحو تحقيق السلام العادل والشامل فى منطقة الشرق الأوسط استنادا إلى الشرعية الدولية حتى يتحقق لشعب فلسطين الشقيق حقه فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .

وكذلك القضايا الدولية التى أكد فيها السيد الرئيس مكانته الرفيعة وحكمته البالغة بمواقفه التاريخية المعبرة عن مصالح مصر والدول الإسلامية وأمتنا العربية المجيدة .

ولا يقف التطوير وجهود النهضة الوطنية عند حد ما ، ففضلا عن أنه ذو طبيعة حيوية ذاتية مستمرة ، فإن المتغيرات القومية والإقليمية والعالمية تؤكد على ضرورته .

والتنمية من أهم هذه المتغيرات الداخلية التى تواجه مصر  وهى تنمية اجتماعية اقتصادية متواصلة تجرى حاليا على أرض مصر وتستوجب المزيد من التخطيط المتكامل والعمل الكفء ، وكذلك التعامل مع مرحلة السلام ، وتطورها وأبعادها المختلفة ، فى حين تتعدد المتغيرات الخارجية حيث تأتى فى مقدمتها العولمة سياسيا واقتصاديا والتى تهدد بهيمنة قطب واحد أو عدد من الأقطاب الغنية وكذلك التقدم العلمى والتكنولوجى الكبير الذى يزيد من تلك الهيمنة ومن فجوة التخلف العلمى والاقتصادى، ومنها أيضا الإرهاب الدولى بصوره المتعددة . وهى كلها أمور بالغة الخطورة .

وهكذا تنطلق مصر معتزة بتراثها العظيم وكفاحها البطولى من أجل التحرر الوطنى وجهودها المستمرة لتحقيق التقدم والأمن والرفاهية لشعب مصر العظيم وعزمها الأكيد على مواصلة الجهود لتحديث مصر وتحقيق النهضة الحضارية الحديثة لمصر تحت القيادة الحكيمة للسيد الرئيس محمد حسنى مبارك .

وفى ضوء ذلك كله كانت دعوة الرئيس مبارك إلى تحديث مصر ضرورة حتمية لمواجهة مختلف التحديات القائمة والمستقبلة داخلياً وخارجياً .


سابق    تالي


تم تنفيذ هذا الموقع بواسطة مركز معلومات مجلس الشورى

saic_logo.JPG